ربما تعود المحاولات الأولى لإدخال مفهوم غير تقليدي للتعامل مع الأحوال الصحية في مدينة الرياض إلى عام 1279هـ - 1862م، حينما قدم بلجريف - الرحالة الإنجليزي المشهور - إلى الرياض متخفياً تحت رداء طبيب، وهذا التخفي أو الانتحال لشخصية طبيب اتخذه بلجريف لأهداف سياسية وعلمية، قادت هذا الرحالة - الذي اصطحب معه صيدلياً من لبنان - إلى أن يعد نفسه إعداداً ثقافياً بشؤون الصحة العامة، ومعرفة الأمراض المنتشرة في نجد، والطرق التقليدية في علاجها، وصلابة الخبرة المحلية لدى الأطباء الشعبيين في هذه المنطقة التي ظلت أبعد المناطق أخذاً بوسائل الطب الحديث. ظهرت ثقافة بلجريف الصحية ومهارته في تقصي الأوضاع الصحية في نجد والأمراض الشائعة به في تقريره الصحي الذي أعده في ثنايا كتابه الذي أعده عن رحلته، والذي أعتقد أنه أول تقرير صحي عن نجد سبق فيه بلجريف منظمة الصحة العالمية، فيما أصبحت تعده من تقارير عن الأمراض الشائعة في مناطق مختلفة من العالم. هذا التقرير سنقوم بنشره قريباً، لعل دارسي تاريخ الطب، وتاريخ الأمراض في بلادنا يضيفونه - كوثيقة - إلى سجل وثائقهم في هذا المجال، أو نفي صحة ما ذهب إليه بلجريف في تقريره. وذكر بلجريف في كتابه الذي أعده عن رحلته إلى شمال نجد ووسطه وشرقه السالف الذكر أنه التقى في الرياض بأحد الشباب من أسرة آل الشيخ الذي كان في القاهرة، ودخل كلية طب القصر العيني، ولكنه خرج منها محتجاً على عملية تشريح الجثث، وهي إحدى الوسائل التعليمية لطلاب كليات الطب من وجهة نظر إسلامية - كما يعتقد -، ولكن بلجريف لم يذكر لهذا الشاب أي نشاط طبي أو حتى تثقيفي في هذا المجال، بل ذكر أنه يمثل شريحة الشباب المتشددة من الناحية الدينية. أما نشاط بلجريف الطبي في مدينة الرياض خلال فترة إقامته بها التي قاربت الشهرين، فالحديث عنها وعن ملابساتها يطول ليس هذا الآن مقامه. في عام 1336هـ - 1917م قام أول طبيب محترف هو الطبيب بول هاريسون الأمريكي الجنسية بزيارة إلى الرياض، بناءً على دعوة الملك عبد العزيز، وافتتح أول عيادة حقيقية في الرياض قال عنها: (إنها عيادة صغيرة لمعالجة الأهالي الذين راحوا يتوافدون علينا). وبعد عشرين عاماً أغلق الدكتور هاريسون العيادة بسبب انتهاء مخزون الأدوية الطبية، وعاد إلى البحرين، ولكنه أمام مطالبات المرضى العديدة والأهالي له ولفريقه بالبقاء، طلب منهم أن يقوموا هم بزيارة مستشفاه الكبير في البحرين. وقد وصفت دعوة الملك عبد العزيز للدكتور هاريسون إلى الرياض بأنها كانت عاجلة لمواجهة اندلاع مرض الكوليرا، الذي انتشر في نجد خلال تلك الفترة وذهب ضحاياه أناس كثيرون منهم أقرب الناس إلى قلب وعقل الملك عبد العزيز ابنه تركي وزوجته الأميرة الجوهرة. في عام 1922 - أي بعد زيارة الدكتور هاريسون بحوالي خمس سنوات - لم يكن في الرياض أحد يعرف عن الأدوية الحديثة أو استخدامها سوى شخص واحد، ذكر الريحاني أن اسمه عبد الله، ولعله الدكتور عبد الله الدملوجي - الطبيب الموصلي - الذي أصبح فيما بعد مستشار الملك عبد العزيز في الشؤون الخارجية بعد ضم الحجاز. وقد ذكر الريحاني أيضاً أنه أثناء وجوده في الرياض عام 1922 وجه له الملك عبد العزيز الدعوة للذهاب معه لزيارة القسم المخصص للكتب في القصر، ولكن السيد شلهوب - الوزير الأول للملك عبد العزيز، وحامل مفاتيح كل أبواب المستودعات في القصر - أخطأ مكان غرفة أو مستودع الكتب. وبدلاً عن ذلك، فتح مستودع الأدوية الذي قال عنه الريحاني: إنه مستودع مليء تقريباً بالكثير من الصناديق المليئة بالأدوية من إنجلترا، بعضها مفتوح والآخر شبه مفتوح أو مكسور، وجميعها بحالة من الإهمال المشين، فقال جلالته: هذه صناديق الدكتور مان. ويبدو أن الدكتور مان مكث في الرياض فترة، وربما بعد فترة هاريسون قد كلفه الملك عبد العزيز بشراء الأدوية التي كان نفادها سبب رحيل الدكتور هاريسون المبكر من الرياض. ثم أصبح الدكتور مان فيما بعد مندوباً للملك عبد العزيز في لندن، ولعله أول مندوب له قبل أن تصبح للمملكة سفارة هناك بعد فترة طويلة من هذا التاريخ. في عام 1349هـ - 1929م افتتحت في الرياض أول عيادة و مستوصف صحي حكومي، وعين له طبيب هو أحمد ياسين، ولعله أول طبيب يرأس دائرة صحية رسمية في العاصمة، ومعه صيدلي دكتور اسمه نديم، وقد كانت عيادة صحية صغيرة - كما وصفها عبد الله فيلبي - وعلى ما يبدو أيضاً فإن الدكتور أحمد ياسين كان موجوداً في الرياض قبل افتتاحه تلك العيادة الصغيرة أو المستوصف في عام 1929م، ولكنه ربما كان طبيب القصر الخاص. فقد ذكر فيلبي أنه عندما قام بزيارة الدكتور أحمد ياسين في العيادة أو المستوصف أنه كان على وشك انتهاء عقده السنوي الثالث، كما ذكر له أن الوقت لم يحن لافتتاح مستشفى متكامل في الرياض بعد. وكما قال فيلبي في وصفه لهذه العيادة فإنها صغيرة، فلم تتجاوز (مصاريف وإعاشات) هذه العيادة 24 جنيهاً وفي شهر جمادى الثانية 1350هـ بلغ مجموع الرواتب الشهرية لمنسوبي الدائرة الصحية - كما أصبح يطلق عليها مديرها الدكتور أحمد ياسين - أربعمائة ريال فرانسي، ويلاحظ أن هذه الرواتب لم تكن تصرف بشكل منتظم فراتب شهر جمادى الثانية لم يصرف إلا في 17 رمضان 1350هـ. في أوائل سنة 1351هـ شهد المستوصف الصحي تطوراً، وذلك بإضافة بعض العاملين به. فقد أضيف له اثنان من الأطباء، الأول هو الدكتور محمد علي الشواف، والثاني هو الدكتور يوسف عز الدين وكلاهما على ما يبدو من سوريا، والأخير طبيب جراح، ويمكن القول إنه أول جراح تعرفه مدينة الرياض، ومعاون صيدلي جديد اسمه عمر أفندي قدم إلى الرياض في ذلك العام من مكة المكرمة. ولكن يبدو أن تلبية احتياجات ذلك التوسع وما يتطلبه من إضافة في ميزانية الدائرة الصحية - وهي قليلة - لم تكن مواتية بالقدر الذي تستطيع المالية تأمينه، وربما كان ذلك عائداً إلى ما شهدته المملكة مع بداية ذلك العام من أزمة اقتصادية ربما تعد الأصعب في تاريخها، وهي الأزمة التي استمرت طوال سنوات ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، واتخذت إجراءات مالية للتخفيف من تأثير تلك الأزمة، كان من ضمنها تبني سياسة تقشف وترشيد في المصروفات. ويحتاج الحديث عن هذه الأزمة الاقتصادية، وطريقة الملك عبدالعزيز، وجهاز الإدارة المالية في التعامل معها إلى دراسة علمية متخصصة. ويلحظ أن تأمين مسكن مؤثث للطبيب كان من مسؤوليات المالية، ففي أواخر شهر صفر 1351هـ كان على الدكتور الشواف مباشرة عمله في المستوصف، ولكنه على ما يبدو كان مقيماً في دار الضيافة، ويريد الانتقال إلى بيت خاص به يتم تأثيثه من قبل المالية، لكي لا يبقى فكره مشغولاً بلوازم البيت - على حد تعبيره - كما كتب في خطاب لمدير مالية الرياض الشيخ شلهوب يطلب ما يحتاجه بيته من أثاث مكون من حنبلين، وقطعة زل، وكيس عيش (رز)، وتنكة دهن، وحفص تمر خلاص، وقهوة ومعاميلها، وبيالات شاهي، وغوري مع تبسي، وفناجين وصحون للطعام وقدر وغضارة وأربع قرب جيدة للماء قدرت أسعار هذه الأغراض بحوالي 96 ريالاً. وأرفق بطلبه هذا بياناً بما كان في بيت الدكتور أحمد ياسين من أثاث، ولا أعرف ما إذا كان الدكتور الشواف ينوي النزول في بيت ياسين، أم أن إيراده لهذا البيان كان للمقارنة. وأثاث بيت الدكتور ياسين لا يختلف كثيراً عما طلبه الدكتور الشواف لمنزله. أما متطلبات المستشفى - كما أطلق عليه - التي طلب الأطباء تأمينها فهي بسيطة ومتواضعة، وهي ما يلي: حنبل 3، لحاف 10، زولية 1، وسادة 10، غدرات (غضارات) 6، إبريق شاهي كبير 2، تنكة كاز 1، دافور 1، شاش 6، خام 2، طاقة قوالب، صابون 20. ومن ضمن متطلبات المستشفى تأمين حطب لأجل تعقيم الشاش وآلات الجراحة وخلافه المخصوصة للجراح، وكان بحاجة إلى أربعة أحمال حطب قيمة الحمل ريالان. يبدو أن الشيخ شلهوب (أبو صالح) الذي أنهكت كاهله طلبات الأطباء، إضافة إلى ما كان على كاهله من الكثير والكثير من الطلبات للقطاعات الأخرى، وهو المسؤول الأول والأخير عن كل ما يدخل المالية، وما يصرف منها أمام رئيسه الملك عبد العزيز أخر تأمين هذه المتطلبات للأطباء والمستوصف، مراعياً الأولويات حسب الظروف الاقتصادية على عادة وزراء المالية في كل زمان ومكان. وربما أن الشيخ شلهوب قد قدر أن الشؤون الصحية في درجة أقل من غيرها، فلم يلب طلباتها في حينه، مما أثار حفيظة الطبيبين ياسين والشواف فتناوبا الأدوار في الكتابة، مظهرين عدم رضاهما عن موقف وزير المالية من تلبية طلباتهما فكتب الأول إلى الشيخ عبد الرحمن الطبيشي الشخص المقرب إلى جلالة الملك، يوضح له ضرورة صرف متطلبات المستشفى اللازمة لإجراء العمليات الجراحية، ويطلب بذل ما يمكن من تأثير على أبي صالح شلهوب لتأمين تلك المتطلبات. أما الآخر - الدكتور الشواف - فقد كتب إلى الشيخ شلهوب مرة أخرى يناشده بما عرف به من شهامة تلبية ما يحتاجه من طلبات، وألا يحوجه إلى مراجعة طويل العمر (الملك) من أجل مسألة بسيطة كهذه - على حد قوله. وأمام موقف الشيخ شلهوب الحريص على المال العام، خاصة في الظروف الصعبة التي لا يعرفها أحد أكثر منه تقدم الطبيبان أحمد ياسين، والطبيب الجراح يوسف عز الدين إلى مقام جلالة الملك يشرحان لجلالته ظروف المستوصف في خطاب هذا نصه: صاحب الجلالة الملك المعظم أدام الله وجوده السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد تقديم عظيم الاحترام نتجاسر في حلم جلالتكم معرضين أن مستوصف الصحة في حاجة شديدة إلى الأشياء واللوازم المبينة في ورقة بطيه، وذلك لكي نتمكن من إجراء العمليات الجراحية وتضميد الجروح، فنسرحم إصدار أمركم الكريم لم يلزم بتأمين ذلك والله يحفظكم مولاي. أحمد ياسين يوسف عز الدين الجراح كتب جلالة الملك بيده أمراً إلى شلهوب بالصرف حالاً.. وهذا نص شرح جلالة الملك: شلهوب لأغراض اقضوها اليوم لصحية حال توقيع أو تأشيرة جلالته. إذا كانت الصحة وشؤونها تأتي في درجة أقل عند الشيخ شلهوب فإنها تأتي في الدرجة الأولى عند الملك عبد العزيز - يرحمه الله - فلقد كان حريصاً على ما يخفف آلام شعبه، ويحد من الأمراض الفتاكة التي كانت تحصد الأعداد الكبيرة من الأنفس، وما حرصه على استقدام أطباء وشراء أدوية، وبعث الأطباء إلى مناطق مختلفة من مدن وهجر نجد وغيره، والإنفاق بسخاء - مع قلة الموارد - على الصحة إلا دليل قاطع على اهتمام هذا الرجل العظيم بكل أمر من أمور أمته، وكان يبعث بالعديد من المرضى إلى البحرين، وإلى بلدان أخرى للعلاج، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك. ولذا نراه يشجع افتتاح المستوصفات والعيادات الطبية في كل منطقة من مناطق المملكة، لدرجة أنه لم تخل منطقة أو مدينة من المدن الكبيرة في المملكة إلا وكان بها مستشفى أو مستوصف - رحم الله - عبدالعزيز. وأحب أن أشير إلى أن عدد العاملين في المستشفى أوالمستوصف في الرياض خلال عام 1351هـ- إضافة إلى الأطباء والصيادلة الذين ورد ذكرهم - عدد أربعة من الخدم هم: 1- عثمان بخاري. 2- فايز بن محمد. 3- عبد الله بن محمد. 4- فرحان الدوسري. وراتب كل منهم في الشهر اثنا عشر ريالاً، يضاف إليها أجر السّقا الذي يحضر الماء للمستشفى، وكان يتقاضى تسعة ريالات وكان المستشفى يستعين بعمال من البلدية إذا كثر عندهم العمل، كما كانت البلدية تتولى تنظيف مبنى المستشفى، وكان مدير البلدية يطلب صرف رواتب من يعمل من البلدية في المستشفى من ميزانية المستشفى وليس من البلدية. أورد هذه المعلومات الموثقة للتدليل على الأوضاع التي بدأت بها الأجهزة الصحية في العاصمة في أول نشأتها، وما كانت عليه، وما أصبحت عليه اليوم. وبين تلك البدايات وما هي عليه اليوم مسيرة طويلة مرت في ظروف مختلفة أهمل المؤرخون الحديث عنها، وأهمل (المؤرشفون) حفظ وثائقها أو ترتيبها وتنظيمها، وجعلها ميسورة للباحثين. ولعل هذا أحد أسباب عزوف كثير من الباحثين عن تناول مراحل التأسيس، وصعوبتها ويقفزون إلى مرحلة متأخرة، وهذا قصور في بناء المعرفة التاريخية. وهذا البحث يأتي ضمن سلسلة أبحاث توثيقية عن مدينة الرياض البدايات الأولى عن نشأة المؤسسات المدنية والخدمية في هذه المدينة العامرة ادعو الله سبحانه أن يمدني بالعون على إكمال هذا المشروع.
|