الكثير من الناس ينتظرون بشكل لا شعوري حدوث الأزمات، وذلك لكي يفكروا بكلِّ عقلهم، وعندما أقول بكلِّ عقلهم فإنّ علماء الطب يرون أنّ الطاقة والآراء تأتي من الجانب الأيمن للمخ، والتفكير المنظم والمنطقي يأتي من الجانب الأيسر، فتستطيع أن تتحكّم في الطاقة والأفكار، وأكثر ما يحفز الشق الأيمن هو أن يكون لدينا حسٌّ هدفي عالٍ، كما أنّ سوء الاستخدام السلبي للتفكير يؤدي إلى حياة تعتمد دائماً على ردة الفعل لا المبادرة. إلاّ أنّ رجال الأمن المظفرين، وحسب ما نشاهد من انتصاراتهم الموفَّقة يوماً بعد يوم، سجّلوا قصب السّبق وحققوا عنصر المفاجأة والمبادرة، في مواجهة أعداء السكينة العامة وإنسيابية الحياة، بل أعداء كلّ شيء، وبهذا فإنّهم تخطّوا مرحلة ردة الفعل إلى تحقيق عنصر المبادرة، وما هذا إلاّ نتيجة للمستوى العالي من التخطيط، وكما يقال إنّ ساعة من التخطيط توفِّر ثلاث ساعات من التنفيذ، والنصر لا يتحقق من فراغ، بل إلى جانب التخطيط الدقيق المتكامل يوجد عمل دؤوب مخلص لوضع ذلك التخطيط في حيِّز التنفيذ، كما أنّ له ثمناً وهو العرق والدماء والتضحيات الجسام التي تدفعها همم الرجال. إنّ مساحة الراحة في حياتنا هي لنستريح بها لا لنعيش بها، إنّنا نستخدمها لاسترداد الطاقة، بينما في أذهاننا ذلك التحدي القادم. كيف لا والجريمة عرفت منذ أوائل البشر، والمجتمع والحياة بلا جريمة هو حلم قديم لم يتحقق قط يوماً ما. لقد أصدر المفكر الإنكليزي المعروف (سير توماس مور) كتاباً أسماه (يوتوبيا) وكلمة يوتوبيا هذه اصطلاح إغريقي يتألف من كلمتين ويعني في الأصل (اللامكان) وقد أخذ هذا الاصطلاح معناه الواضح في القرن السادس عشر وعلى وجه التحديد بعد عام 1516هـ، أي بعد صدور كتاب سير توماس، وقد تخيّل في هذا الكتاب جزيرة مثالية يعيش فيها إنسان المستقبل (مستقبل عصره هو) في سعادة تامة وفي تناغم اجتماعي بعيد عن شرور المجتمعات التي ألفها الإنسان عبر تاريخه الطويل، وأصبحت كلمة اليوتوبيا الموحدة بعد توماس مور تعني كلّ مجتمع مثالي، وبالطبع هذا التصوُّر هو امتداد لتصوُّر المدن الفاضلة في العصور الأسبق، وأشهرها مدينة أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة، إلاّ أنّ هذا المجتمع المثالي والمدينة الفاضلة لم توجد بعد أو توجد حيث لا أين. ولهذا فإنّ مساحة الراحة هي لنستمد الطاقة وأعيننا على تحديات المجهول. وفي ظل الأحداث والمتغيرات ينشأ الوعي بمفهومه العام، أي أن يكون لدينا قدرة على استيعاب الحقائق والأحداث، وهذا يندرج في قائمة المعايير الأساسية التي تحدد درجة تفاعل العقل مع معطيات البيئة والمجتمع. إنّ تلك الأحداث لا تحدث في اللامكان، بل وبكلِّ أسف تحدث على تراب الوطن، إذاً جميعنا الوطن، بدءاً من القرية والمدينة، وانتهاءً به كلٌّ لا يتجزّأ .. علينا واجب غرس الولاء للوطن في نفوس الأبناء .. علينا إظهار الجوانب الإيجابية لتطوُّره وتقدُّمه .. علينا خلق روح التفاني في سبيله، والإقدام على التضحية من أجل أمنه وسلامته. إنّ العلاقة بين الإنسان والأرض هي ذكريات ومصدر تراث، فالأرض هي الأساس المادي لحياة الشعوب.
وطني أحب إليّ من كل الدنى وأعز ناس في البرية ناسي |
|