كتب الأستاذ عبد الله بن بخيت في عدد الجزيرة 11916 بتاريخ السبت 6 من ربيع الآخر في زاويته موضوعاً كان بعنوان (جازان)؛ حيث تحدَّث عن تلك المدينة الغالية بعد أن قضى فيها يومين فقط لأجل العمل.. وقد تحدَّث عن جازان قبل أن يزورها، وذلك من خلال ما قرأه عنها في الصحف كما يقول، فاقرؤوا ماذا قال: يقول الأستاذ ابن بخيت: كانت مدَّة كافية لأجلي بها كل المفاهيم السيئة التي حملتها إلى داخلي الصحف.. جئت إلى جازان وفي ذهني بقرة نافقة منتفخة ملقاة في حفرة وأطفال حفاة تحوم حولهم أسراب الذباب يلعبون في أزقة لا يُوجد مثلها حتى في إفريقيا، ورجال في وزراتهم يجلسون على حواف الطرق ينتظرون قضاء الله وقدره، ونساء ضامرات يلُكْنَ الفقر والبؤس. يقول أيضاً ابن بخيت: حاولت أن أقرأ الأشياء بمفردات الصحافة عندما تتناول أي شأن جازاني من البؤس والفقر والإهمال والتخلُّف والأمراض والأوبئة. وأخيراً يقول ابن بخيت: كنتُ أستغرب من تصرُّف كتَّاب الدراما السعودية لدينا، لماذا يقلِّدون المآسي الهندية بينما جازان حاضرة وجاهزة لتوفِّر لنا مآسي وطنية بنكهة هندية؟! هذا كان رأي ابن بخيت ونظرته إلى جازان وأهلها، وطبعاً كل ذلك كان من خلال ما يقرؤه في الصحافة فقط، ولا شك أن ابن بخيت معذور كغيره من بعض الناس الذين يحكمون على الأشياء من خلال ما يسمعون أو يقرؤون فقط ويصدقون، أو من خلال جلسات السمر وما يتناقل فيها من حكايات وأساطير شعبية تفوق الخيال، أو هي الخيال في حدِّ ذاته، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الاطلاع على الحقيقة عن كثب. فها هما يومان فقط رأى فيهما ابن بخيت جازان على الواقع غيَّرا رأيه 180 درجة، بل وغيَّرا مفاهيم كانت في مخيلته ربما ما يزيد على ثلاثين عاماً، حتى قال في آخر موضوعه: (رأيتُ كورنيشاً ينافس في نظافته كورنيش جدة والخبر. لم أشاهد بقراً أو حفراً أو أناساً بائسين، ولكني شاهدتُ شعباً كريماً مضيافاً يعيش بجانب شواطئ رائعة، وعلى قمم جبال خضراء شاهقة غاية في الجمال.. تأكد لي أني لن أعود بالأمراض، بل بثلاثة كراتين مانجا لم أذُقْ مثلها في حياتي). نعم سيدي الفاضل، تلك ليست جازان أبداً التي عرفتَها من قبلُ عن طريق صحافة المكاتب أو الفاكسات أو إعلام الأذن والمجالس فقط.. لم يقفوا ميدانياً ليعرفوا الفرق الكبير والبون الشاسع بين ما يُكتب من حين لآخر وما هو موجود بالفعل هناك في مدينتي جازان. أنت قلتَها أستاذي الفاضل، لم تتوقع أن تكون جازان بهذا الجمال وبهذه الطبيعة الخلابة والمناظر الساحرة. نعم، هذه هي جازان كما رأيتَ لا كما سمعتَ وقرأتَ. هذه هي جازان بجبالها الشم وسهولها الخضراء وفُلِّها الزاهي وكاديها الذي يعطِّر كل أرجاء الكون. هذه هي جازان برجالها الأشاوس وأبنائها البررة ونسائها الفاضلات. هذه هي جازان بكرمها ونبلها وعطائها الجميل. كنتُ أتمنى لو بقيتَ بضعة أيام هناك لتزور النادي الأدبي وترى معقل الثقافة والعلم والأدب، وتخرج مثقلاً بمختلف الفنون والآداب. كنتُ أتمنى أنكَ قد جلستَ للسمر يوماً في صوالينها الأدبية؛ لتعرف أبناء جازان عن قُرب وكثب وتُشبع نهمك من درر النثر والخطب والشعر والفن الأصيل. كنت أتمنى أن تخالط أبناء تلك المدينة الحالمة وشعبها المضياف؛ لتعرف أن الطيبة نبعت من هناك، ولتزداد كرماً على كرم، ولكن بالتأكيد سيدي الكريم القادم سيكون أجمل. أخيراً، كنتُ أتمنى من أبناء وأهل مدينتي جازان أن لو منحتَهم الفرصة حتى يطوِّقوا عنقك بعقود الفل والكادي والريحان حتى تبقى ذكرى عطرة لا تنساها إلى الأبد.
عبد الرحمن عقيل حمود المساوي - الرياض 11768 ص. ب 155546 |