Saturday 21st May,200511923العددالسبت 13 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الرأي"

ضخامة التراث الإسلاميضخامة التراث الإسلامي
مالك ناصر درار

لم تخلف أمة من الأمم ذوات الحضارة، قبل العرب، وبعد قيام الإسلام، ما خلفه المسلمون من تراثٍ ثقافي. فلا العبرانيون والسريان، ولا الفرس واليونان، ولا غيرهم ممن ظهر في أوروبا بعد عصر النهضة لهم مثل تراث العرب.
والدليل على ذلك بسيط وواضح هو أن عدد المخطوطات العربية الموجودة اليوم في مكتبات العالم من المغرب إلى الهند وباكستان، ومن طشقند إلى اليمن وفي أوروبا والولايات المتحدة وفي المكتبات الخاصة تزيد على الثلاثة ملايين وقد تبلغ الأربعة وكم فوجئت أثناء رحلاتي الطويلة، للبحث عن المخطوطات العربية في بلدان العالم وتصويرها باكتشاف مخطوطات في قلل الجبال أو بطون الأودية أو في أماكن لا يظن أحد أن فيها كتباً مخبأة في الجدران أو السقوف أو خبايا الزوايا ما كان لأحد علم بها وخبر المصاحف القديمة جداً التي اكتشفت أخيراً في جدران مسجد صنعاء ليس ببعيد.
وكثير من تراثنا ما يزال الآن في مكتبات خاصة يبخل أهلها على العلماء بمعرفة ما فيها حذراً أو حرصاً أو خوفاً ولا نعلم بها إلا بعد موت أصحابها وكم صدني أناس ومنهم علماء عن الدخول إلى دورهم واطلاعي على المخطوطات التي يملكونها فعرضها على ورثتهم.
وما يوجد اليوم في العالم هو ما سلم من الفتن والتنازع بين الدول والحكام ومن الحريق والغرق والإتلاف ودفن الكتب أو غسل كتابتها وغير ذلك مما وقع على ممر تاريخنا الطويل ولو وصل كله لبلغ عدده عشرات الملايين.
ونحن لا نجد اليوم في مكتبات العالم مثل ما يوجد عندنا لأي أمةٍ أخرى من مخطوطات لاتينية أو سريانية أو يونانية أو غيرها.
والسبب في سعة التراث الإسلامي المخطوط في رأيي يعود إلى أمرين:
الأول: أنه نبغ من المسلمين عددٌ كبيرٌ أوتوا الخصب في الإنتاج والسر في ذلك أن الإسلام دعا بقوة وترغيب إلى العلم، وفرضه على المسلمين وكرم العلماء فجعلهم ورثة الأنبياء وأمر الملوك والعامة بتكريمهم فانطلقوا يؤلفون فما من علمٍ من العلوم الدينية والدنيوية إلا ولعلماء المسلمين تواليف فيه والناظر في كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة وذيوله والفهرست لابن النديم وغيرهما من فهارس الكتب وبرامج العلماء يدهش لكثرة هذه العلوم ووفرة ما ألف فيها.
والثاني أنه يتيح لهؤلاء المؤلفين الرعاية والإكرام من الخلفاء والملوك فكان عددهم كبيراً وما أعتقد أنه ظهر مثل عددهم في أي أمةٍ من الأمم، فكثيرون الذين ألفوا المئات من الكتب في آلاف من الأوراق وقد بحثت كثيراً عن علماء أوروبيين أكثروا من التأليف. منذ عصر النهضة فلم أجد سوى أديب واحد هو الكتاب الإنجليزي دانيال دفو (1661-1731) الذي يعتبر رائد القصة في الأدب الإنجليزي ومؤلف القصة العالمية (روبنسن كروزو) فهذا الكاتب ألف كتباً كثيرة في القصص والتاريخ والرحلات وغير ذلك بلغ عددها مائتين وخمسين كتاباً ولكن يكاد الناس لا يعرفون منها إلا قصة روبنسن كروزو.
وهذه القصة تشبه في موضوعها قصة (حي بن يقظان) التي كتبها العالم ابن الطفيل الأندلسي قبل ستة قرون من دفو وقد ترجمت قصة (حي بن يقظان) إلى اللاتينية سنة 1617م وإلى الإنجليزية سنة 1708م وكتب بعض الباحثين مقارنة بينها وبين روبنسن كروزو وأثبت أن دفو تأثر كثيراً بكتاب ابن الطفيل، بل استقى موضوعه منه (انظر كتاب حسن محمود عباس: حي بن يقظان وروبنسن كروزو).
فهذا أديب واحد كتب كثيراً من الكتب معظمها غير معروف ولا مقروء. في حين إننا نجد في علمائنا المئات ممن أكثروا من التأليف وقد وضع العالم الدمشقي جميل العظم كتاباً سماه (عقود الجوهر فيمن له خمسون مصنفاً فمائة فأكثر) ذكر فيه الكثيرين من المكثرين في التأليف. وقد فاته منهم أيضاً عدد كبير.
فابن جرير الطبري، العالم المفسّر المؤرخ، بلغ تفسيره أربعة آلاف ورقة (كانوا يحسبون الكتب بعدد ورقاتها)، وبلغ تاريخه ثلاثة آلاف ورقة.
والمؤرخ الدمشقي الكبير الحافظ ابن عساكر ألف (تاريخ مدينة دمشق) في ثمانين مجلدة، حتى قال الحافظ المنذري عنه: العمر يقصر عن أن يجمع الإنسان مثل هذا الكتاب.
وابن عروة الحنبلي الدمشقي، علي بن الحسين، ألف كتابه (الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد) في مائة وعشرين مجلداً، وفي الظاهرية بدمشق اثنان وأربعون مجلداً منه.
والأمير عز الملك المسبحي، المؤرخ الكاتب المصري بلغ ما كتبه في الأديان والأدب والتاريخ ثلاثة عشر ألفاً وأربعمائة ورقة منها كتاب واحد عن (أصناف الجماع) بلغ ألفاً ومائتي ورقة.
والحافظ جلال الدين السيوطي تجاوزت تواليفه، في كثيرٍ من العلوم الثلاثمائة، وربما بلغت الأربعمائة.
والبيروني: اللغوي الأديب المؤرخ الرياضي الفلكي.. مؤلفاته تفوق الحصر. رأى ياقوت الحموي فهرستها في ستين ورقة بخط مكثف.
وبلغ عدد ما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية من رسائل في التفسير والأصول والقواعد المختلفة والكتب الفقهية والوصايا ثلاثمائة وأربعين عدا فتاواه وقد بلغت ألوفاً.
ولا سبيلَ إلى ذكر جميع المكثرين من التأليف.
وهناك جانبٌ آخر في تاريخنا الثقافي جديرٌ بالفخر، هو أنه ظهر عندنا خلفاء وملوك أوتوا نصيباً كبيراً من العلم، وكان لهم مؤلفات فجمعوا مجد الملك ومجد العلم.
فالملك المؤيد أبو الفداء صاحب حماة كان مؤرخاً جغرافياً من فضلاء بني أيوب، وعالماً في علوم كثيرة فألف في كل علمٍ يعرفه مصنفاً أو أكثر وقد طبع من مؤلفاته (المختصر في أخبار البشر) المسمى تاريخ أبي الفداء، وكتاب (تقويم البلدان).
والخليفة العباسي القادر بالله ألف كتاباً في الأصول، وكان هذا الكتاب يُقرأ كل جمعة بجامع المهدي ببغداد.
والملك المظهر محمد بن الأفطس، صاحب بطليوس في الأندلس له كتاب (التذكرة في الأدب)، في خمسين جزءاً على نمط كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة وله (تفسير القرآن).
والملك المظفر عمر بن يوسف بن رسول، ملك اليمن له كتبٌ كثيرة منها (طرفة الأصحاب في الأنساب) وكتاب (المعين في الأدوية المفردة) ورأيت له مؤخراً كتاب (معين الطلاب على عمل الاسطرلاب) وهو مخطوط.والملك المعظم الأيوبي عيسى بن الملك العادل، كان أيضاً من علماء الملوك وهو الذي جعل لمن يحفظ (المفصل) للزمخشري مائة دينار وخلعة وألف كتاب (السهم المصيب في الرد على الخطيب) أي الخطيب البغدادي المؤرخ المشهور لأنه تعرض للإمام أبي حنيفة في تاريخ بغداد، وألف أيضاً (شرح الجامع الكبير للإمام الشيباني) في فروع الحنفية.
وغيرهم كثيرون.
فما أعظم ما خلف المسلمون من تراث، وما أضيعه بين أهله اليوم!.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved