* مكة المكرمة - عمار الجبيري: دعا إمام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس المسلمين إلى تقوى الله عز وجل تقوى مَنْ خاف ربه ووجل وبادر حياته بصالح العمل قبل أن تبتدره فجاءة الأجل فلا تغني عنه المعاذير والحيل. وقال الشيخ السديس في خطبة الجمعة التي ألقاها يوم أمس في المسجد الحرام: إن أفضل الذكر ثوابا وأكثره هدى ونورا وفائدة كلام رب البرية قال سبحانه معلي قدره وبرهانه {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ}، وأن القرآن قد أنار ظلمات الدنيا بنوره الوهّاج وأيقظ القلوب العليلة للهدى، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وخير جليس لا يُمل حديثه. هذا هو القرآن الكريم عظمة وجمالا ومكانة وجلالا ومنزلة وكمالا.. ومع ذلك كله ومع ما هو متقرر عند أهل الملة المحمدية والشرائع السماوية من وجوب تعظيم القرآن وتبجيله وتقديسه وتكريمه فإن مما نكّأ الجراح وأثار صيحة الملتاع منددة مستنكرة مشنعة مستفظعة ذلك الفعل الأثيم الباغي الذي امتد إلى تدنيس أقدس مقدساتنا وأشرف مشرفاتنا قرآننا مناط عزنا وفخرنا.. واستطال على القرآن الكريم كتاب ربنا ودستور حياتنا في عنجهية وصلف بلغ مداهما ان كان للضغن المكين مدى مما أجّج مشاعر المسلمين وأثار كوامنهم وألهب حفيظتهم في كل أرجاء المعمورة حرقة وأسى على أقدس مقدساتهم ونبراس حياتهم. إننا من هذا الحرم الأطهر باسم أكثر من مليار مسلم يدينون بهذا القرآن العظيم نطالب في حالة ثبوت ذلك بسرعة التحقيق العاجل مع الجناة الآثمين في هذه الجريمة النكراء وإنزال أشد العقوبات الرادعة لهم حسما لداء المعاودة والتكرار لهذا الجرم الكبار والصنيع الشنيع الغدار؛ احتراما لمشاعر المسلمين في العالم وصونا للقيم الاخلاقية والحضارية في المجتمعات، وتحقيقا لمعاني العدل والحق والسلام في جميع أقطار المعمورة. كما نطالب بسرعة اعتذار للمسلمين في كل مكان من أجل حل عقد الغضب المتصاعدة وإطفاء موجات الغليان المتنامية وردم الهوة التي تحدثها مثل هذه المخازي المفجعة والاستفزازات المفزعة مما لا تحمد عواقبه والتي تضرم مع شديد الأسف فتيل الفجوة والكراهية بين الشعوب وتفتح أبواب العنف على مصاريعها في حلقات من الصراعات تتوارثها الاجيال جيلا بعد جيل، ولا تولد إلا الصدام بين الحضارات مما سيظل محفورا في ذاكرة التاريخ ويسطر بمداد قاتمة لهؤلاء القوم.. وقد برئ واعذر من أبان وحذر.. ولله عاقبة الأمور. فعياذا بالله عياذا ولياذا به لياذا اللهم إنا نعذر إليك.. اللهم إنا براء إليك مما صنع هؤلاء بكتابك ونسألك بهذا البيان براءة الذمة وتحقيق النصح للأمة.. أنت حسبنا ونعم الوكيل. وأضاف يقول: إن دولة القرآن شرعة ومتنزلا ديار الحرمين الشريفين ليحمد لها موقفها الأغر الريادي إزاء هذا الحادث الجلل.. وما ذاك بدعا في نسيجها الرباني.. زادها الله خيرا وثباتا وتوفيقا. ولا يُنسى الموقف المشرف الذي انبرت له مشكورة مأجورة جميع المؤسسات والهيئات الإسلامية العالمية.. فلله درها وبوركت مواقفها. إنّ هذا الاستنكار القاصف والتنديد العاصف لا لاستنفار الحمية وتهييج الغضب وتأجيج العاطفة فحسب بل لذمها وترشيدها وتأصيلها بالتأصيلات الشرعية والضوابط والآداب المرعية.. ولعل هذه الأوخاز والإبر تكون حافزا لاستجلاء مزيد من العبر والانطلاق الى آفاق العمل الايجابي الجاد البنّاء وميادين الإصلاح والاعمار والنماء.. وإلا فالله حافظ دينه وناصر كتابه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. ولن يزيد هذا العمل القرآن الكريم إلا رفعة والمسلمين إلا تمسكا به ومنعة.. والله متم نوره ولو كره الكافرون. فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم وفي قرآنكم فاتلوه حق تلاوته وامتثلوا أحكامه وغاروا عليه ونافحوا عنه وانتصروا له لعلكم ترحمون. وأوضح فضيلته انه في غمرة الحياة المادية واللهاث وراء المتع الحسية وما اسفرت عنه من شيوع احوال القلق والاكتئاب والأوصاب والملل والاضطراب.. وفي خضم ما منيت به الأمة من احداث ومتغيرات شغلت الناس بالمتابعات والتحليلات انبثق عن ذلك كله التغرب عن الحياة الهانئة المطمئنة، علاوة على ما قذفت به الحضارة المزعومة والمدنية الزائفة من سموم اضرم نارها قنوات وشبكات تحلق الدين. وأوضح أنه لا غرو ان يضاف بكل أسف هذا الداء الدوي داء الغفلة والنسيان الذي أفتن ينابيع الروح الصافية وخلخل اطنابها الراسية إلى ركام مآسينا الضارية مما تحتاج اليه الالسنة ما يرطبها والافئدة الى ما يطمئنها. وقال انه لن تصلح القلوب ولن تستنير الدروب وتنجاب الحلك والكروب وتبرأ مما مسنا من قسوة ولغوب إلا بدوام ذكر وتعظيم وتسبيح علام الغيوب. والآيات الحاثة على الذكر الدالة على فضائله ومنافعه وفوائده في الدنيا والآخرة غير خافية على اولي النهي والالباب، وكذلك الاحاديث الشريفة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأضاف: كان يقوم من شدة أنسه ولهجه بالله عز وجل.. كان صلى الله عليه وسلم يذكر ربه في كل طرفة عين وخفقة قلب وعلى جميع احواله وفي كل احيانه بفؤاد واجف ودمع واكف.. أليس هو القائل عليه الصلاة والسلام: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟) قالوا بلى يا رسول الله. قال: (ذكر الله). لقد فاقت منزلة الذكر منزلة الجهاد في سبيل الله. ومضى الشيخ السديس يقول: اخوة الايمان.. ذكر الله دوما بمبانيه ومراميه وتدبر ألفاظه ومعانيه هادي الارواح الى بلاد الافراح، وهو العز الذي لا ينال بسلطان ولا مال، والتوفيق المبلِّغ ذرى الكمال والأُنس والجلال. وأكد ان المحافظة على الاذكار غراس دار الابرار.. وهل يفرط في غراس الجنة إلا مفلس في عداد الأغرار؟؟ فحينما يتصل الذكر بالقلب ويستقر في السويداء ويمتزج بالتوبة والإنابة والاستغفار في كل الأحوال يضحى مدداً لطهرة النفس وهنائها وشؤبوبا دفاقا لزكاء الروح وصفائها.. فلا يعوزك ساعة إذ ان تدرك نور البصيرة يتألق على فعال الذاكر في أي سبيل وفي أي اتجاه مداركه.. بعبق الذكر قد شفت والملائك الكرام به قد حفت.. قد توج بإشراق من نور الله فكُفي جمالا، وقلبه أفعن بحب الله فسُقي جلالا. واستغرب فضيلته ان يُرى فئام من المسلمين نهبة لمقاريض الغفلة قد ورد عليهم النسيان بظلمته وخدره، وألقت عليهم الغفلة بكلكلها والضيعة باقفالها وحجوبها فاستعجم منهم اللسان واظلم الجَنان.. ترى منهم من يقضي يومه وليله في الهذر واللغو والغيبة والنميمة والولوغ في اعراض المسلمين، ولا يدور له ذكر الرحمن على بال. ومنهم يقضي الساعات في اللهو والباطل يعجز عن ذكر كلمات على اللسان خفيفات، وفي الميزان ثقيلات، والى الرحمن حبيبات يحصل بهن وافر الحسنات: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم). اقوام افئدتهم لم تذق لذة المناجاة والخشوع، ومحاجرهم تكلست عن ذرف الدموع. وقال الشيخ السديس: إن هناك ملحظا مهما ألا وهو ما استحدثه اقوام من اذكار واوراد مبتدعة صرفتهم عن المأثور الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم سيد الخلق - وقد اتوا بها في حمى من الضجيج والوان من العجيج وصفات نابية كل النبو عن الوقار، فضلا عن مخالفتها للكتاب والسنة وصحيح الآثار.
|