ماذا لو فكَّر كلٌّ بأنَّه سيموتُ بعد لحظةٍ.. ما الذي يمكن أن يتخيَّله مواجهة في قبره؟ مَن الذي يقول: إننَّي أصلي الخمس في أوقاتها، ولا أهجر القرآن لا قراءة ولا عملاً.. وإننَّي أحرص على العمل الجاد والبذل الصادق دون رياء ولا تقاعس، وإنَّ كلَّ لقمة آكلها هي من ثمار عملي الدؤوب وإخلاصي فيه، وإننَّي أراقب الله تعالى في كلِّ أفعالي، وأحاسب على أقوالي..، وبأنَّني أتخيَّل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانوا يحرصون على ألا يناموا عن كسلٍ أو تهاون في صلاتهم، وأنّهم يتسابقون لمعرفة كل عمل يقربهم من الله، يؤثرون على أنفسهم، ولا يجعلون الدنيا أكبر همَّهم، وإننّي لا أسعى للتّطاول في بنيان الدنيا قدر سعي أن يكون بيتي طويلاً ومكاني عالياً عند الله إذ أجري الصدقة وإن قلَّت، وأكثر الذّكر وإن أحيط بي، وأشعر بالخوف من عقوبة على زلَّة، ولا أجد في نفسي غروراً بدنيا ولا بجاه، ولا بمنصب ولا بعلم، إذ إنّني أدرك أنّني لست بالغاً أقصى ما في علم الله، ولا واصلاً أبعد ممَّا قدَّر لي الله، وإننِّي مسؤول عن غيري سؤالي عن نفسي وإن مسألة الدنيا لأجل الآخرة، وبأنَّ الآخرة مآل النّهاية؟ مَن الذي إن سأل ذلك أجاب وسدَّد الخانات بالإيجاب؟ ومن الذي تعثَّر به لسانه، إذ يجد نفسه في فراغ من أمره، وقصور في شأنه، وبعد عن جادَّته، وبأنَّ القبر الذي سيأوي إليه في هذا اليوم لم يستعدَّ له، ولم يهيئ نفسه إليه، وبأنَّ أمله الذي طال أنبتّ، وبأنَّ رجاءه في الوقت الذي استمر قد انقطع، وبأنَّه أمام لسان يردد الشهادة، وقلب يخلو من العزيمة، وعمل ينأى عن الجادة؟ ما الذي سيتخيَّل نفسه سيكون عليه حين يوضع في قبره، ويذهب عنه أهله؛ ويهال عليه التراب؟ موقفٌ مهيبٌ، وتخيَّل تحرّك النَّبض فيضّطرب له، ويجري العين فلا صاد لدموعها.. *** لم يكن هذا القول إلاَّ لامرأة في الستين وقد تأخرت بها قدرتها عن السَّير، جاءت إليَّ في مكتبي تودّعني بعد عمرٍ عملت فيه بصمتٍ لم تكن تتكلَّم كثيراً.. تحمل لي الشَّاي، والدعاء كلَّ يومٍ، وحين سألتها إلى أين؟ قالت: لأفرغ لما بقي، كنتُ أكافحُ من أجل أبنائي، اليوم سأكافحُ من أجل نفسي، فما يدريني ربَّما بعد لحظةٍ أموت، فكيف سأواجه القبر وما فيه، والسؤال وما هو إليه؟ حفظك الله سلمانة حفظ لكِ إيمانك.. وجعله العمل الذي تواجهين به ربَّاً رحيماً، وجزاءً منه تعالى موفوراً.
|