Saturday 21st May,200511923العددالسبت 13 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "محليــات"

يارايارا
كتابة المذكِّرات
عبد الله بن بخيت

سأكون سعيداً إذا استطاع صدام حسين أن يوفِّر عشرة في المائة من الصدق في مذكِّراته التي قرَّر أن يكتبها كما أشارت الصحفة مؤخراً. وسأكون أسعد إذا تحمَّلت حكومة الاحتلال الأمريكي عشرة في المائة مما سوف يقوله صدام حسين في مذكراته حول علاقته بها.
قبل عدة سنوات ناشدتُ في هذه الزاوية الرجال والنساء الذين أسهموا ولو بالقليل من الجهد في تنمية هذه البلاد كتابة مذكِّراتهم؛ لأنني أؤمن أن كتابة المذكرات من أهم الأعمال الفنية التي تجمع بين الذاتية والموضوعية، مما يجعلها نوعاً من الأدب المقنَّن المليء بالتجربة، أو أدب التجربة الذي يتراوح بين الصدق الموضوعي والموقف الذاتي والتوجه الأيدلوجي.
عندما أشرتُ إلى صدق صدام لم أكن أعني أن صدام حسين سوف يكذب في مذكراته وينسب لنفسه أدواراً أخلاقية لا يستحقها، ولكن لأن هناك قدراً كبيراً من الذاتية في تقييم الأمور. وديكتاتور بحجم صدام لا يمكن أن يقيِّم الأحداث خارج الذاتية مهما بذل من جهد لاحترام التاريخ والحقائق. ولكن هناك فرق كبير بين مذكرات الدكتاتور ومذكرات الأدباء والوزراء ممن أسهموا بجهد محدَّد في ناحية واحدة من نواحي حياة الأُمَّة.
أتذكَّر أني كتبتُ مناشدتي تلك على خلفية مقابلة صحفية مع أحد الرجال الذين عملوا على نشر تعليم البنات في فترة صراع الحكومة مع المتشدِّدين المعادين للمرأة وتعليمها. ذكر هو أن الملك فيصل أمر بإرسال قوة عسكرية لمواجهة بعض المحتجِّين الذين لجأوا إلى العنف. كان الحوار تقريباً يدور حول تجربة الرجل مع ذلك الصراع، وكان يمكن أن يكون أفضل لو أن ذاك الرجل كتب تجربته الفكرية نفسها وعلاقتها بالأحداث؛ لأن وجوده كمدير يؤمن بحق المرأة في التعليم في تلك الفترة هو عمل فكري يستحق أن يُقصَّ. مشكلة كتابة المذكرات أنها تختلط في الأذهان بكتابة الذكريات، أو حتى بكتابة التاريخ الوظيفي. المذكرات شيء، والذكريات شيء آخر.
نقرأ هذه الأيام في بعض الصحف المحلية مَن يقوم بسرد ذكرياته وحكايته مع الوظيفة أو العمل أو الحياة التي عاشها. يسرد الوقائع دون أن يُسقط عليها أي شيء من حكاية الفترة التي تحدث فيها الوقائع، ودون أن يميِّز بين حالته الآن وحالته في تلك الفترة، مع غياب كامل للصراعات في الفترة وإسقاطات المذكرات عليها. فما أقرؤه الآن في بعض الصحف هو ذكريات شبيهة بتقديم تعريف خبرة وظيفية، كأنك جالس في مجلس وتقول: أنا اشتغلتُ في الوظيفة الفلانية، وإنها اشتغلت في الوظيفة الأخرى. فترديد الذكريات المشتركة مع الآخرين أو المشابهة لتجارب الآخرين ليس مذكرات. كتابة المذكرات هي اختبار (لا سرد) لتجربة الحياة نفسها، إعادة قراءة السياقات التي أوصلت كاتبها إلى ما وصل إليه.
حياة المرء مليئة بالقرارات، سواء القرارات الذاتية أو القرارات السياسية أو الأيدلوجية أو الاجتماعية. والاستقرار على قرار معين يعني أن هناك قوى إما داخلية أو موضوعية أثَّرت في قرارك. فالحياة كما يقول كيرجارد هي (إما أو)، إما كذا أو كذا، فهذا التذبذب الفلسفي هو لُحمة المذكرات الشخصية، وإذا لم يحلِّلْها كاتب المذكرات في كتابه فهو يكتب ذكريات لا مذكرات.
كاتب المذكرات في العادة لا يكون إنساناً عادياً، يُفترض أن يكون مشاركاً بصورة أو بأخرى في الهم العام. عندما يكتب ذكرياته هو في الواقع يقدِّم شهادته على العصر الذي يكتب فيه، يعبِّر عن تجربة عصره في الفترة التي يكتب عنها. كتابة المذكرات فيها بوح، وفيها تفاصيل حميمة، وتفاصيل أحداث ألمَّت بالعصر الذي عاشه كاتبها تغيب عن المؤرخ. هذه المراوحة بين الذاتي والموضوعي في كتابة المذكرات هي التي جعلت بعض النقاد يُلحقها بالرواية.
عندما يتكلم كاتب المذكرات عن الزواج في الفترة التي تزوَّج فيها هو يتكلم عن المجتمع، وعن الحب، وعن المرأة في ذلك الزمان وموقفه منها، والتغيرات التي طرأت على هذا الموقف. وعندما يتكلم عن تجربته الصحفية هو في الواقع يتكلم عن الصحافة، والفن، والفكر السائد، والصراعات في ذلك العصر الذي يكتب عنه، وأين وقف منها. وعندما يتكلم عن تنقُّله من مدرسة إلى أخرى هو يتكلم عن التعليم، ويتكلم عن الجهل، والأمية، وأشكال المدارس، وتلميذ ذلك العصر.. إلخ. عندما أقرأ مذكرات فلان فأنا لستُ في حاجة إلى أن أعرف تقلُّباته الوظيفية، فأنا أريد أن أقرأ حياة الأمة منظورةً بعيني إنسان عاش فيها بوعي.

فاكس 4702164

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved