حين تتلقى من شخص مساعدةً أو اهتماماً تجد نفسك - تلقائياً - تقوم بشكره والثناء عليه، بل وتبذل له ما في وسعك من امتنان. وهكذا يكون رد الجميل، بل إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أنعم على رجل نعمة فلم يشكر له فدعا عليه استُجيب له)، وقيل: (اشكر المنعم عليك، وأنعم على الشاكر لك تستوجب من ربك الزيادة، ومن أخيك المناصحة). وقال أحد الحكماء: من أُعطي الشكر لم يُمنع الزيادة. وقال آخر: الشكر ثلاثة منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد. الشكر أفضل ما حاولت ملتمساً به الزيادة عند الله والناس والملاحظ أن الجيل الحالي اعتاد أن يأخذ دون أن يشكر! ففي المدرسة تحضر الصغيرات لمكتبي لتلقي المساعدات المختلفة: (إسعافات أولية، اتصال بأسرهن، نقود للفسحة إنْ كانت إحداهن قد نسيت إحضارها من المنزل، شكوى على زميلاتها أو معلماتها، سؤال أو تلقي توجيه..) إلا أنهن يقابلن ذلك دون شكر أو شعور بامتنان. وقد نتفق على أن تلك المساعدات من باب الواجب وليس مِنّة عليهن، بيد أنني استغرب أن ذلك يواجه بالتجاهل!! فليس أقل من الشكر والشعور بالامتنان حتى لأولئك الذين يملي عليهم الواجب فعله معك! وحتى لو ترسخ لدينا مفهوم: (لا شكر على واجب) فلا بد أن ندرك أن الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله. وعليه.. ينبغي أن نعتاد الشكر مقروناً بالدعاء ليتولد لدى الناس السعي لعمل الخير والشعور بالارتياح. فنشكر عامل النظافة في الشارع وفي دورات المياه العامة، في الأسواق والمنتزهات، والسائق والعاملة المنزلية، والخباز والنجار، وسائق الحافلة.. كما ينبغي أن نشكر إمام المسجد الملتزم بوظيفته، والمعلم القائم بعمله الحريص على تلاميذه، والطبيب الجاد في مهنته الساهر على راحة مرضاه، وقائد الطائرة الذي ينقلنا من بلد إلى بلد براحة وأمان، ورجال الأمن الذين يحرسون بلادنا!!. حقاً لِمَ لا يعتاد أبناؤنا شكر والديهم بعد كل عطاء، ومعلميهم بعد نهاية كل درس: (شكراً يا أستاذ)؟!.. تُرى ما هو شعورك كمعلم أو موظف أو مدير عام أو رئيس تحرير أو وزير حين يُقال لك: شكراً وعوفيت؟!. إنَّ الشكر داعية الزيادة، والله عَزَّ وجَلَّ يقول: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}، كما أن الشكر يخلق التواصل بين الأفراد، ويعرف الشخص المشكور أنه أدى عمله وكسب قبول المتلقي, وإلا كيف ندرك أننا قد أحسنا العمل ونلنا رضا الناس؟!. ولعلي أجدها فرصة لأبعث بطاقات شكر إلى رموز شامخة، بقيت بصماتهم منقوشة في حياتي وذكرى مواقفهم موشاة في عمري ولم تبرح مخيلتي: ** إلى تلك السحنات الطيبة (أمي وأبي) اللذين علماني الصمود ولقناني جهاد النفس بعد أن أثريا طفولتي بالعطاء وأغدقا على روحي الحب والحنان، وأغنيا نفسي بالقناعة. وحين فقدت أحدهما جاد الآخر علي بالتوجيه والنصح!! فلهما الشكر إن كان قد سبقني القدر فلم يسعفني البر!!.. فكم جاهدا في تربيتي، وكم ناضلا لتعليمي، وكم قاسيا في سبيل تلبية مطالبي، وكم عانيا لأجل تحقيق أهدافي!!.. ** وإلى الذين توالوا على تعليمي منذ كنت ألثغ بالحروف، وأعثر في المريول.. وبالأخص تلك المعلمة التي أمسكت أناملي الصغيرة وهي ترتجف، وعلمتني أول حرف، وجففت دمعة حائرة وجلى حطت على خدي في أول فراق بيني وبين خضن أمي.. ** وإلى كهول وشيوخ كنت أراهم في مدينتي الصغيرة (البكيرية) يقضون نهارهم بالعمل ويحيون ليلهم بالقيام والذكر، ويقابلون نعمة ربهم بالحمد والثناء، ومعروف الناس بالامتنان والشكر، فتعلمت منهم الرضا والصبر.. ** وإلى صديقاتي اللاتي تحملن جهالة تعتريني فهذبن من خلق حاد كان طبعاً فأصبح سلوكاً مستغرباً!! سيما تلك الصديقة الحبيبة التي أبصرت روحاً لفها الظلام في لحظات ضعف فأشعلت فناراً في دهاليز النفس، فكانت شمساً في ليل!! فلها الشكر مقروناً بالامتنان.. ** وإلى أسرتي الصغيرة التي تطالبني بالعطاء والتفرغ وأطالبها بالتريث والتمهل لتحقيق هدف ممتد، أروم من ورائه كرامة وعزة نفس، مع طموح منبسط، فلها الشكر على الصبر وعدم التبرم من التسويف.. ** وإلى أسرتي الكبيرة، تلك المصابيح المنيرة في حياتي (إخواني وأخواتي وأعمامي وأخوالي) ممن يقيمون معوجاً ويصلحون مائلاً.. ومازال ذلك ديدنهم بلا كلل، وما أجدني إلا أطرق حياءً، ويغشاني الخجل جراء التقصير، فلهم الدعاء والامتنان. أما عائلتي الكبيرة التي أنتمي لها وأحمل اسمها فلا تخط يدي حرفاً في صحيفة إلا وقد وضعت هيبة اسم العائلة نصب عيني، فإن تحملت نفسي لوماً أو نقداً فلا تحتمل أن تسبب حرجاً لعائلتي!!.. ** ولا أنسى قط أن أشكر أولئك الذين آذوني فلقنوني دروساً في الجلد، وقذفوني بالحجارة فعمدت إلى صفها لأصعد عليها وأطل من جدار سور الظلم إلى فضاء الحرية، فدفعوني لمقت الجور وحب الإنصاف.. فلهم مني الصفح والعفو!!. **** وقبل أولئك جميعاً أشكر ربي الذي أسبغ عافية بعد سقم، ويقيناً بعد حيرة، وجدّد إيماناً بعد ضعف، وأحيا أملاً في قلب كاد أن يعصف به اليأس.. فله الشكر حتى يرضى وله الشكر بعد الرضا.. وللقراء بعد ذلك الشكر على منحي ثقتهم، وإثرائي بآرائهم، وتواصلهم، وعتبهم، و... معارضتهم وغضبهم.
* ص.ب 260564 الرياض 11342 |