سألني أحد الأخوة من الوسط الإعلامي سؤالاً في غاية الأهمية، ماذا يريد معالي وزير الإعلام الأستاذ إياد مدني أن يقول عبر التطورات التي حدثت في التلفزيون السعودي (القناة الأولى).. وزميلي يسأل يريد أن يستكشف رأيي كمتخصص، وربما يريد كذلك ان يستكشف رأي النخبة الإعلامية من أعضاء الجمعية في هذا الشأن.. وذكرت له أن رأي الجمعية من خلال أعضائها الذين يزيدون على الألف لا أستطيع أن أعبر عنه في عجالة.. ويحتاج إلى وقت واجتماعات لسبر غور الرأي المتخصص وبلورة رؤية مشتركة تحمل مفهوم الرأي العام للجمعية السعودية للإعلام والاتصال.. وربما نعمل في المستقبل القريب على بلورة مثل هذه الآراء.. أما رأيي الشخصي عن التغيرات التي شهدها التلفزيون خلال الأسابيع الماضية، فيمكن ان أجمله في نقطة محورية أن التلفزيون يحاول أن يكون (طبيعياً) ليس أقل وليس أكثر من ذلك.. هذا هو رأيي كما أراه. وكما نعرف في لغة الإعلام ودراساته أن وسائل الإعلام تتوجه إلى كافة شرائح المجتمع، وليس فقط إلى شريحة معينة في المجتمع.. ولهذا فإن إعادة الهيكلة البرامجية للتلفزيون السعودي تصب في إطار هذا الهدف.. وهو أن تجد كافة شرائح المجتمع مساحة لها في هذا الجهاز الوطني.. فلا ينبغي أن يتوجه مضمون التلفزيون إلى شريحة رسمية، دون شريحة مواطنية، أو شريحة لكبار السن، دون شريحة الشباب، أو يتوجه إلى الرجال دون النساء.. التلفزيون السعودي - في نظري الشخصي - انه جهاز وطني يملكه الجميع، ولا ينفرد بملكيته شخص واحد أو مؤسسة واحدة أو شريحة مجتمعية واحدة.. وهذه بكل تأكيد قناعة معالي وزير الثقافة والإعلام والجهاز الإداري لهذه القناة الذي يريد من خلال هذه الخطوة، رغم أنها خطوة رمزية، ان تحقق عدة أهداف مهمة، منها: 1- أن التلفزيون هو تلفزيون الجميع، ولا نريد أن يعتقد البعض أنهم يمتلكون هذا الجهاز ويختطفون مضمونه، ولهذا ينبغي أن يكون التنوع البرامجي مطلباً ملحاً لتلبية رغبات المشاهدة من المواطنين والمتابعين لهذه القناة.. وقد يقول قائل: إننا لا نستطيع المنافسة في أي لون من ألوان البرامج الجماهيرية، ولكن هذا هو اعتقاد خاطئ، فأنت تستطيع أن تقدم وجبات منوعة من كل شيء مقبول اجتماعياً لإرضاء كافة رغبات المشاهدين.. 2- إن هذا التوجه الجديد هو توجه قديم كان يتبناه التلفزيون في الستينيات والسبعينيات.. إلا أنه توقف بطول الفترة الماضية.. وبالتالي يكون هدف الخطوة الجديدة هو استقطاب كافة شرائح المجتمع المهملة في سياسة التلفزيون السابقة.. إن إهمال التلفزيون السعودي في السنوات الماضية لبعض شرائح المجتمع وهي شرائح عددية كبيرة أدى إلى احتضان قنوات تلفزيونية متخصصة خارجية لهذه الشرائح.. وأصبح الجمهور السعودي هو القوة العددية التي تعتمد عليها تلك القنوات.. وذلك ناتج لتغييب أنواع معينة من البرامج الموجهة إلى بعض شرائح المجتمع. 3- اتسم التلفزيون السعودي - واسمحوا لي أن أقول هذه العبارة - بنوع من الكآبة التي طغت على مضمون وشكل البرامج.. والخطوات التطويرية تريد أن تزرع الابتسامة، والرضا، والفرح، في عيون المشاهدين.. وتريد أن تقلص الحضور الرسمي لهذا الجهاز، وكذلك الحضور الطاغي لنوع معين من البرامج لهذا الجهاز. 4- تشير كثير من الدراسات الإعلامية إلى أن التلفزيون السعودي تراجع كثيرا في حجم المتابعة له، مقارنة مع التلفزيونات العربية الأخرى، سواء الخليجية أو اللبنانية أو العربية الدولية.. وهذا التراجع كان على مستويات متعددة، سواء على الصعيد الإخباري أو على الصعيد الترفيهي.. وهذا التراجع دفع بالقنوات الأخرى الى أن تتسلق سلم اهتمامات المشاهدين العرب والسعوديين.. كما أن لهذا التراجع الكبير دور في هجرة الأموال الإعلانية من تلفزيوننا إلى تلك التلفزيونات.. وأصبحت تحقق أرباحاً خيالية نتيجة هذا التراجع في متابعة التلفزيون السعودي.. وفي رأيي الشخصي أن الأموال التي تذهب الى الجيوب في تلك القنوات ساهمنا نحن - من خلال سياساتنا الإعلامية - في تلك الهجرة.. ولا سيما أن تلك الأموال هي سعودية مائة بالمائة. وأخيراً، فإن هذه الخطوات نشير إلى أنها تظل رمزية رغم أهميتها الاستراتيجية، ونتوقع أن تتحول هذه الخطوات إلى أفعال برامجية ذات مهنية عالية، ومستوى من الأداء المتمكن، والمضمون الراقي.. وفي نهاية المطاف، لا نريد إلا استعادة شبابنا، ونسائنا, وبناتنا، وكبارنا، وصغارنا إلى مؤسساتنا الإعلامية، التي هي أرحم وأفضل وأحرص على تقديم كل ما هو ممكن من خلال كل ما هو مقبول..
* رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإعلام والاتصال- استاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود ALKARNI@KSU.EDU.SA |