بات شعار (لا.. للإرهاب) يتردد على المستوى الإعلامي والمحلي بصورة أكاد أجزم من خلالها أنه فقد محتواه وزخمه، وتحوّل إلى (ثيمة) إعلامية مستهلكة تردد بشكل ببغائي ومنفصل عن واقعها وبشكل قابل للتسويق الاستهلاكي والشعبي. بل إن بعض الجهات باتت ترفعها كصك البراءة لمواجهة أي اتهامات محتملة أو مبطنة ضدها من المجتمع، هذا الدرع الواقي تختفي وراءه الكثير من الممارسات والحواضن والمخصبات التي ساهمت في تأجيج جذوة الإرهاب نفسها.. على المستوى المحلي في السابق. إن عملية تبهيت قضية الإرهاب وتسطيحها وتحويلها إلى شعار جماهيري يردد أصداء فقط دون أن يطال القضية الرسمية، هو بالتأكيد عملية تحايل كبرى من الأنماط الثقافية القديمة ذات الهيمنة والسطوة والتي تحاول أن ترفع بها هذه الواجهة لكي تحمي مساراتها من المسألة وأصابع الاتهام التي باتت توجه ضدها بحدة، ووضح في الآونة الأخيرة. وحصر القضية في حوادث التفجيرات التي حصلت في المملكة، وحوادث المواجهة المسلحة وإدانتها، ليست في اعتقادي هي حربنا الحقيقية ضد الإرهاب، الإرهاب ليس المواجهة العسكرية العنيفة على الإطلاق، مهما حاولت بعض من الجهات أن تحصره بها، المواجهة العسكرية مع النماذج الإرهابية هو طرف ذيل الديناصور المتخفي خلف أوجه وأقنعة كثيرة، تلك الأقنعة التي يحاول من خلالها أن يمتص الصدمة، ليعيد إنتاج نفسه من جديد وضمن نفس الشروط السابقة ولربما بصورة أشد عنفاً وشراسة طالما ظل يحظى بالحدب والولاء السابق، فسيظل ينتج نفسه وعنفه وانغلاقه وجموده. لذا فالأنشطة الجماهيرية التي تتوسل أحداث العنف الأخيرة كمدخل لها، ومن ثم تحاول أن تخاطب الوعي الجمعي عبر صور التفجيرات والضحايا، إنما تضع مسكّناً بسيطاً على جرح عميق ودامٍ، لن يعالج بمسكّنات بدائية. بات الإرهاب قضية قومية، ومصير دولة تحاول أن تدخل العصر الحديث وترضخ لشروطه.. إن شعار (لا.. للإرهاب) هو علم طفولي صغير يلوح وسط عاصفة رملية عارمة وشريرة. الحملة الوطنية ضد الإرهاب.. لا علاقة لها بالشعارات.. والكليشيهات.. والطروحت المسطحة المفرغة من زخمها ومحتواها.. حربنا ضد الإرهاب هي خيار وطني يتعلق بمصيرنا.. وغدنا.. وخياراتنا الحضارية.. كأمة تحلم بمستقبل مختلف.. ومساحة أكثر إيجابية في الركب العالمي، آلة التفريخ ما برحت موجودة.. تتمتع بتمام عافيتها وطاقمها القديم ومن المستحيل مواجهتها واختراقها إلا عبر الإحلال.. وعبر توسل أنشطة إيجابية تبنى.. تعمر تدعو إلى التفكير.. وتدعو إلى الانفتاح الإيجابي غير المستلب على الثقافات والحضارات المغايرة.. تدعو إلى تصعيد طاقة المحبة والتسامح.. وتجيير الزخم الشبابي بغرض ربط هذه الأمة بمسارتها الحضارية. أما ما يحدث الآن من حملات ضد الإرهاب ليست سوى مسكنات بدائية وإبراء ذمة بينما الأنماط الثقافية السابقة ومعامل التفريخ تمارس أنشطتها بكل طاقتها.
|