إلى أبي سهيل وحفيده سهيل وروح صالح الجهيمان ابني وصديقي الصغير سهيل: كان أبوك أشبه في وحدته بطائر محلِّق يصدح بأجمل الأصوات في سماء كل مكان. لن تكون وحيداً؛ لأنك ابن ذلك الرجل الذي ملأ القلوب محبة بخلقه الرفيع وسيرته البيضاء. وأنت تودِّع والدك أرى فيك ملامح من قوة الإرادة والشخصية، وهما كانا من أهم سمات والدك يرحمه الله، وأتفاءل بأنك خير مَن سيرفد أسرتك الصغيرة بغدٍ يحمل اسم أبيك. كنت وأنت وحيداً تذرف الدموع ونحن على مشهد وداع والدك لم تكن صغيراً رغم حداثة سنك وباكورة تجربتك في الحياة. سهيل: يا كبيراً في ذاتك، وصغيراً في سنِّك، مثلك يجب ألا يحزن، وعلى (شبل) مثلك يجب أن نهلل ونذكر الله لمن فقد عزيزاً بجسده، لكنه خالد حي، معلم وأب، جمع القيم الرفيعة والمثل العليا، ألا يستسلم للمصاب الجلل. إن الأخلاق التي تلقيناها من والدك في حياته وما رسمه لنا هو خير ما يترك المرء لمحبيه، وأرقى ما يقدمه الأب والأخ والصديق لأحبابه ومحبيه، تحتل - وهذه حقيقة - موقعاً عالياً في القلب وفي الذاكرة. هناك مَن تعرفه ولو فترة وجيزة، فإذا مات وجدتَ نفسك أمام أرقى نماذج وأشكال الحكمة والألفة والذوق الرفيع.. وكل واحدة من هذه الصفات تحتاج إلى موسوعة ثقافية لا ينجزها غير رجل كأبيك يرحمه الله. صديقي سهيل: لك أن تفخر بأن هذا هو أبوك، ولا أخفيك أن كل مَن رآك وأنت تقف على القبر صابراً محتسباً راضياً بقضاء الله تمنى لو أنه صالح الجهيمان، ولديه ولد وحيد مثل سهيل الكبير عقلاً ووقاراً، والصغير سناً، المتمتع بصفات النضج والشباب وهو لا يزال في سن الرشد. إن قلوبنا تمتلئ فيضاً من حزن وألم وحسرة، لا اعتراض على الموت حاشا لله؛ فهذا مصير كل حي، وقدر كل مولود، ولكن ألماً على كنز من الأخلاق وأسوة طيبة لكل إنسان، افتقدناها وكانت تسير بيننا نبراساً نلجأ إليه ونسترشد به في مواجهة ضيق الصدور والنفوس والأخلاق الذي تحفل به حياتنا المعاصرة. أيها العزيز الراحل بلا رحيل.. المقيم في قلوبنا أبد الآبدين.. إن أجمل تحية نقدمها إليك بقلوب مؤمنة صابرة محتسبة مستبشرة عند رب كريم رحيم حنان منان. أما أنت يا شيخنا الجليل أبا سهيل الكبير، فماذا عساي أن أقول سوى أن ندعو لك بالرحمة والمغفرة، ولنا من الجرح نصيب وافر على راحل عزيز قدَّم الخير لآخرته، وأدرك في دنياه معنًى للحياة الأبدية. يا شيخنا، هذا قدر المؤمنين الصابرين المحتسبين من قديم، وقد عهدناك جبلاً صلداً صامداً في الشدائد، رغم نهر الحب والحنين الذين يتدفق بين جنبيك، لكننا ونحن نعزِّيك نعزِّي أنفسنا؛ فالراحل بذكره العاطر بيننا قد طال عمره وعلا ذكره وإن رحل بجسده. وليس لنا في هذا المقام إلا الدعاء، فاللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتقبَّل فقيدنا، واغمر بوابل فضلك وعفوك شيخنا. اللهم بارك له فيما تبقَّى من عمره، واملأه بركة وعافية. اللهم بارك له فيمن تبقَّى من بنيه وحفدته، واجعلهم قرة عين له. اللهم اختم لنا وله بالصالحات، واجمعنا معه وأحبته في مستقر رحمتك في الفردوس الأعلى من الجنة.. آمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله الطيبين.
|