|
انت في
|
كان الحديث يبحث عن أدب الفقهاء أو فقه الأدباء لكننا عثرنا - في طريق البحث - على لون أكثر جاذبية من اللون السابق ويمثل جانباً مهماً من تراثنا الأدبي، ويكشف لنا عن الحس المرهف للفقهاء والعاطفة الجياشة لدى الأدباء والعلماء والقلوب الرقيقة والمشاعر الدفاقة لديهم.. ذلكم اللون هو غزل الفقهاء الذي يعبر عن مواهبهم ورقة شعورهم وإجادتهم في هذا المجال مثلما أجادوا في مواطن العلم والفقه والمعرفة.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثير استدلاله بقول الشعر مما يصفه البعض - اليوم - بالكراهة إن لم يكن التحريم.. وأن ابن عباس - رضي الله عنه - كان يصغي إلى إمام الغزليين عمر بن أبي ربيعة ويروي شعره وأن الحسن البصري - رضي الله عنه - الذي قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها إن كلامه أشبه بكلام النبوة كان يستشهد بقول الشاعر:
وأن سعيد بن المسيب سمع مغنياً يغني:
وضرب برجليه وقال: هذا والله مما يلذ استماعه ثم قال:
فالعلماء والفقهاء بشر لهم آذان ومسامع تلذ بالنغم الطروب من ضروب اللغة والبيان ولهم قلوب مرهفة بالإحساس الصادق تداعب أوتار قلوبهم نسيمات الهوى والعشق مثلما البشر الآخرين.. فنار الوجد إذا سرت لا تفرق بين أعصاب الفقهاء وغيرهم.. وأجنحة الحمائم الذبيحة إذا خفقت بين الضلوع فإنها لا تفرق بين صدور الورعين وحنايا المولهين الغزليين ولا تميز بين الزاهدين واللاهين. فللحب رعشة لا بد لها أن تلامس شغاف القلوب.. ويبقى الإفصاح عن ذلك هو الفارق بين بعض العلماء والعامة.. وإذا كان الغزل هو وصف الحسن والجمال فإنه في ذهن كل ابن انثى، فمنهم من يسعفه خياله وسعة أفقه وبيانه ومنهم من يظل يكتم ذلك إما عجزاً أو ورعاً وتقى. فالوصف وتفصيل مقاسم الجمال ومفاتن المرأة وردت في بعض آيات القرآن الكريم لإغراء المؤمنين بالجنة وترغيب العباد في العمل الصالح لنيل الحور العين (عُرُبًا أَتْرَابًا)(37) سورة الواقعة {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ }72) سورة الرحمن، {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}(58)سورة الرحمن. وليست الأحاسيس الرقيقة والمشاعر العذبة قاصرة على شعراء الغزل والتشبيب بل كان للعلماء والفقهاء وبعض الأئمة وأعلام الدين والمعرفة نصيب وافر من ذلك أودعه الله صدورهم:فهذا الفقيه العالم المحدث عروة بن أذينة شيخ الإمام مالك يقول:
هذه الأبيات التي تصف الصبابة ولوعتها وتبادل الحب بين العشيقين تشف عن عنفوان الوجد الذي يطوي صاحبه فهو أرض بقوته (لو كان تحت فراشها لأقلها).. فهو سماء في حمايته للكائنات وعرش للكون في عظمته وسموه ورفعته ورحمته في وقايته من شمس الضحى لو كان حبك فوقها يوماً وقد ضحيت إذاً لأظلها.. هذا الغزل الرفيع يصدر من شيخ وعالم وفقيه مثل عروة بن أذينة.. ويرى الشيخ علي الطنطاوي أن هذه الأبيات التي بلغ من إعجاب الناس بها.. أن أبا السائب المخزومي لما سمعها حلف أنه لا يأكل بها طعاماً إلى الليل. ترى لماذا؟ لأنها لامست وتراً حساساً في أعماقه وعزفت على سيمفونية الحب في داخله ولأنها صدرت من شاعر فقيه أفصح عن نار الحب التي تتقد بين حناياه والوجد الذي يتأجج وقلب ظمآن ولهيب لا يطفئه إلا ري التلاق وبرد الوصال.. وهو القائل:
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها:
هذا الشاعر الفقيه العالم الذي يروي ترنيمة القلب الموله أوقد الحب بين جوانحه ناراً لا يطفئ أوارها إلا ماء اللقاء والوفاء يقول:
فعلاً إن الماء لا يروي ظمأ القلوب ولا يطفئ لهيب الأحشاء وقد عبر عن ذلك الشعراء فقهاؤهم وعامتهم فالشوق سر من الأسرار ونسمة تخترق الأحشاء في هدأة الليل وتنسج حولها الضلوع سياجاً منيعاً لتنام هادئة هانئة.. لكن إذا داعبته الخيالات وعبثت به أنامل الاضطراب والارتعاش وعنفوان الوجد تحول إلى مارد لا يخرج إلا شعراً غزلياً أو إفصاحاً بأي لون من الألوان وهو لا يستقر إلا في القلوب المرهفة ولا ينطلق إلاّ منها. |
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |