كان أساتذتنا قبل سنوات يعلموننا في قسم الإعلام أن الصحافة مهنة المتاعب، وكنا نقبل ما نتعلمه دون إدراك كامل لمعنى أن يدرس الإنسان مهنة يؤكد أساتذتها أنها ستتعبه وترهق قواه. مشاعر كثيرة كانت تتقاذف ذلك التخصص الذي دخل الجامعات السعودية باستحياء، لدرجة أن من كبار السن - حينها - من كانوا يلومونني أن اخترت دراسة الإعلام، ليس لشيء غير أنهم لا يعرفون من الإعلام إلا كلمة (الإعلام)، وهذا ما دفع شيخا كبيرا أن يؤنبني على اختيار هذا التخصص بقوله - حينذاك - لم تدرس (الإعلام)؟ ليس من الإعلام إلا (فلان) وذكر لي اسم وزير الإعلام حينها في بلدي. (وكان الشيخ رحمه الله لا يسمع بكلمة (إعلام) إلا ويأتي بعدها أو قبلها اسم وزير الإعلام ذاك في المذياع الذي كان رفيق كثير من خلوات الشيخ). وهكذا، كان (الإعلام) عند الرجل مختزلا في شخص وزير الإعلام، وليس بعد ذلك أو غيره (إعلام) عند الشيخ لا من قريب ولا من بعيد. كانت تلك الرواية واقعا حقيقيا معاشا، فلم يكن الناس في نجد يعرفون كثيرا عن العلوم الإنسانية حتى عقود ليست بعيدة، وقد مضت أجيال السبعينات ومنها كثير من أمثال ذلك الشيخ. ومن المفارقات العجيبة أنني منذ عدة أشهر - وبعد حوالي اثنين وعشرين عاما من حديث الشيخ رحمه الله - اصطحبت ابني - ذات صباح - إلى قسم الإعلام ذاته، وقد أصبحت أحد المسؤولين الإداريين في كلية الدعوة والإعلام - التي تحتضن القسم - فأطلعته على كثير مما احتواه القسم من إمكانات بشرية ومادية، ورحت أشرح له شيئا عن المقررات الدراسية والمناهج. وقد كنت مزهوا بما كنت أرويه له من مظاهر تقدمنا في علم الإعلام، حتى (أيقظني) بأسئلة (ساخنة) كان من أهمها ما مفاده: وماذا تفعلون ليكون إعلامنا السعودي أفضل؟ وهل تدرسون عندكم صناعة الدجتال؟ وهل يتعلم الطلاب الإنتاج في البيئات الافتراضية؟ لم أستطع حينها إجابته، وتصرفت بذكاء محاولا إخفاء شرود ذهني الذي عاد لأكثر من عشرين عاما متذكرا (خاله)، ذلك الشيخ الذي لم يكن يعرف من (الإعلام) إلا اسمه في حين أن شباب اليوم يفوقون قدرات الجامعات في ملاحقة المستجدات في تخصصاتها العلمية. والسؤال المطروح اليوم: متى تتخلص جامعاتنا من بيروقراطية التغيير والتحديث وفق سلسلة اللجان والمجالس المتهالكة والمتقادمة شكلا ومضمونا، والتي أثقلت كاهل المريدين للحراك الجامعي من جانب، ومن جانب آخر مثلت متكأ وثيرا للمناوئين لكل جديد ولكل عملية تجديد أو تطوير تتسق على الأقل مع تطلعات وطموحات شبابنا الذي بات يعرف - ربما أكثر مما يمكن للجامعات أن تعلمه.
فاكس: 2252755 |