الرجال الذين يصنعون وحدهم المواقف ويعيدون كتابة الفصول وترتيب الوقائع.. يعيشون على الدوام بعيداً عن دائرة الضوء رغم إسهامهم في تحريك كل الأشياء. فالعمل الكثير والمنتج.. مع الكلام الكثير أيضاً.. شيئان منشطران لا نستطيع تجسيدهما في موقف واحد إلا إذا ملكنا القدرة على جعل نهر الأمازون يحمل كل إرساباته ويقذفها (بالنيل) مثلاً.. وهذا أمر مستحيل بالطبع.. والرجال من النوع إياه الذين لم يخرجوا ألسنتهم مرة واحدة إلا من إرهاقهم العلمي عندما يرفعون أصابعهم الخمسة إيذاناً بالوداع فإن كل دوائر الضوء تتحلَّق حولهم وبالتالي يحدثون دربكة - على الطريقة الكروية - تجعل جمهور النظَّارة يمسك أحاسيسه بأصابعه العشرة خوفاً من تفجّرها لمرأى تلك الدربكة ونتائجها. وأحمد الهوشان.. نوع من أولئك الرجال.. أدار كياناً صحفياً.. وخدم مدة طويلة في بلاط هذا البناء الضخم الذي اسمه.. الصحافة.. عشق العمل بصمت (نقطة ضعف!) (لاحظوا القوسين) وأحب عمله كما يحب نفسه. وخلق مناخاً صحياً عاش فيه الكثيرون ولن ينساه أكثرهم أيضاً.. ورغم ذلك لم نتركه أو يتركه بعضنا، بل قيل عنه كثيراً وملأنا سلاله بما أردنا من كلمات النقد وأشبعناه (لكماً) بألسنتنا.. ولكنه ويا لخيبة أكثرنا بقي.. الصامت الأكبر!! ولم نيأس فنحن نوع لا يرتاح للنجاح والتعملق.. وبقينا كذلك حتى جاءت لحظة الوداع ووقتها أحسسنا أننا نفقد شيئاً أكثر من مهم.. وأكثر من ذي جدوى. عفواً سادتي.. الحديث عن هذا الرجل لا يرضيه ولكنني أود أن أكسر حاجز رغبته هذه المرة وأسجِّل كلمة حق طالما فضَّلنا السكوت عن قولها احتراماً لرغبته.. وإصراره على نسيان ذاته. لا أدري لماذا.. كل ما في الأمر أن هذا الرجل لا يحب الحديث عن نفسه.. ولذا علمنا بأن المركز القيادي لا يعني بالضرورة القيادية في صياغة الأنباء وملء الأعمدة بالصور وأخبار ونشاطات وسفر صاحب الكرسي الأول.. ولأنه كذلك فقد أمضى بالرياض الجريدة خمس سنوات دون أن يسمح بنشر صورة له أو حتى كتابة خبر عنه مهما كانت نوعيته.. رغم سباحته في التايمز وعبوره المانش واغتساله من الراين. ولأنه لا يحب الحديث عن نفسه!! فهو - وهي حقيقة لا يعرفها البعض - يسهم بشكل إيجابي في الكتابة - والعطاء المختلف.. وهو عطاء يفوق بإيجابيته ما يفعله الكثيرون ويملأون به الأنهار الثمانية.. ومع ذلك لا يحب أن يمهر شيئاً باسمه، بل يرفض ذلك رفضاً قاطعاً.. وهذه مشكلته في أن يخرج الآن دون أن يعرفه أحد من خلال قلمه بقدر ما عرف من خلال عمله. ويكفيه تقديراً منا.. أنه لم يبن لنفسه وجوداً كتابياً من خلال مركزه مع قدرته الكاملة على ذلك.. ثمة حقائق.. أوجدها الرجل الذي يخرج حالياً كبيراً من الباب الذي دخله كبيراً.. فالذين يختلفون معه لا يستطيعون إنكار العقلية الإدارية المخططة التي قاد بها أكبر مؤسسة صحفية في بلادنا.. وجعلها تنطلق من واقع قادر على التحرك في ظل الاستقرار. ولا تلك القدرة الجامعية والعقل الإداري الناضج الذي حمل كل البذور الطيِّبة التي اختزنها وفرغها في جسم الصحافة عفواً ساداتي!! كان يجب علي أن أقول أشياء كثيرة.. هي حصيلة أعوام عشتها في مؤسسة كان هذا الرجل محور ارتكازها خاصة أن ما أقوله لن يستطيع أحد أن ينعطف به إلى غير مساره الصحيح.. فكل الاعتبارات التي قد توجد ملغاة بالنسبة لي.. وعذري في الاكتفاء بتلك الأسطر.. إن ما قلته كاف لكي يجعلني أهرب عن وجه الرجل أياماً حتى لا يسمعني عتابه ولومه.. ولكن ما علي وهي كلمة وفاء لما بذله الرجل!!
|