لطالما سألت نفسي هل الخلود مكتوب على العظماء فقط.. هل هو بطاقة تشريف مقصورة على العظماء دون غيرهم؟ ان من الوضعاء من كتب ويكتب له الخلود بطريقة وبأخرى. والخلود ما هو؟ إنه تردد الذكر وانتشار السمعة مدى أجيال وأجيال، ويكون مقرونا بعمل أو تصرف أو مأثرة، أو خليقة من الخلائق أو صفة من الصفات.. ترتبط بالشخص فتخلده، أي تردد ذكره على مدى السنين والأعمار.. الخلود - كما سنرى - ليس مقصوراً على العظماء وحدهم، بل انه قد يكتب لمن هم ابعد ما يكونون عن العظمة. فالعظمة ليست والخلود سواء، وليست مقرونة به دائماً، فقد تتلاقى الصفتان وقد تختلفان، ووجود احداهما لا يدل على الأخرى دائماً. خلد من الخليقة كثير.. أناس وأماكن ومعان وأساطير، كثيرة هي المخلوقات الخالدة، وكثيرة هي المعاني الخالدة، ولا تقترن كلها بالعظمة لأن هذه تقتصر على معطيات الابداع البشري، ولهذا وجدت العظمة في بعض البشر ولو لم يكونوا من الخالدين. في تاريخ (روما) هناك رجل خالد ما بقي هناك تاريخ. هو خالد بفعلته.. تلك الفعلة التي دعيت نكراء.. ربما بسبب مبالغة التاريخ. هذا الرجل هو (نيرون) الطاغية المجنون كما يحب التاريخ ان يدعوه. وفعلته تلك أو أفعاله - بالجمع - هي أو هن وقوفه جذلا يرقص وهو يحرق روما، ثم قتله أمه التي هي السبب في وجوده، وبالتالي السبب في احراق روما. لقد خلد (نيرون) رغم الصورة العفشة التي رسمها التاريخ له، ولقد خلدته فعلته رغم افتقارها الى العظمة. وغير (نيرون) في التاريخ كثير هم الخالدون، وكثير من يتردد ذكرهم على الشفاه بالمذمة او بالشكران، هناك من الخالدين من يقرن اسمه باللعنات، كما ان هناك غيرهم من تنصب عليه الرحمات عند التلفظ باسمه. ودون هؤلاء وأولئك أناس مغمورون، لا يذكرهم أحد بمدح ولا بمذمة، لم يكونوا مشهورين، أو بالأحرى لم يكونوا خالدين بمفهوم تردد الذكر وبعد الصيت.. ولكنهم مع ما لحق بهم من اهمال ونسيان عظماء.. نعم عظماء بأفعالهم ولو لم يعرفها الكثيرون (ولو لم يطبل ويزمر لها) هم عظماء في المفهوم الإنساني، وهو غاية ما يريدون، وهم عظماء في المفهوم الأخلاقي أيضاً.. والأخلاق قيمة إنسانية قبل ان تكون شيئاً آخر. هنالك فرق واضح بين العظمة وبين الخلود ذاك هو ان العظمة دائما لها وشائج أخلاقية وإنسانية في حين ان هذا ليس بالضرورة تواجده في الخلود.. العظمة لها دلالة أخلاقية ومعنى إنساني، ويكفيها أنها تتخذ قدوة ومثلاً.. يكفيها أنها (رمز) للسمو الانساني فالعظيم من بني الانسان هو اقرب نموذج للكمال. والتاريخ يظلم كثيرا حين (يخلد) جموعا غفيرة من الوضعاء ويسقط من حسابه جماً من العظماء.. ويطرأ هذا السؤال: على من يقع عبء خطأ التاريخ؟ انه - إذا استعجلنا الاجابة - يقع على المؤرخ نفسه. ولكننا لو عمّقنا النظر ومددناه أبعد لأدركنا ان المؤرخ ليس إلا أداة عصره، ليس إلا وسيلة من وسائل مجتمعه، به ينقاد، وبحسب حالته يتصرف، ان المؤرخ يتصرف وفق طبيعة مجتمعه.. فإن كان مجتمعا ظالما انعكس ذلك الظلم فيما يكتبه المؤرخ، وان كان متحللا تسرب ذلك التحلل الى أفكار المؤرخ، وان كان المجتمع بدائياً ظهر الرياء في كتابة المؤرخ. عيشنا الحياة نسمع بالهواية في ميدان الرياضة الجسمية كما نسمع بالاحتراف، ونسمع بالهواية في ميدان العمل كما نسمع فيه بالاحتراف، وحتى الكلام.. نسمع من يتفوه به هواية، كما نسمع من يتخذه احترافا ومهنة. والحرفة قد تدفع اليها الحاجة، وقد يكون القلب غير ميال اليها، وقد تكون النفس كارهة لها نافرة منها، ولكن الهواية - أي هواية - حتى هوايات اللعب بأشكاله ومعانيه.. لم نسمع من أقدم عليها كارهة نفسه، مائلا عنها قلبه. ونعيش الحياة.. ولكن منا من يعيشها هواية لها، ومنا من يعيشها احترافا، ولست هنا مفاضلاً.. ولست قائلاً بأن احدى الطريقتين هي المثلى وهي الافضل.. لست قائلاً شيئاً من ذلك، ولكني اقول ان الغالبية العظمى من العائشين ينقسمون في عيشهم الى هاوين للحياة بكل ما تعنيه لفظة الهواية، وقسم آخر يحترف الحياة احترافا، يلازمها ويقف بها - كما قال ابو الطيب - (وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه). وهناك فريق ثالث من العائشين، يمثل القلة التي استثنيتها. هذا الفريق يعيش ولا يدري أنه يعيش. ان كلاً من الفريقين السالفين يعيش الحياة بارادة وتصميم، أما هذا الفريق الثالث فليس لديه الإرادة أو التصميم، هو سلبي في نظرته، سلبي في حياته، سلبي في تصرفه. ولهذا انتفى معنى الحياة عنده، وان كان يحسب من الأحياء. ان الحياة تتطلب من الاحياء ان يمثلوها بمعنى ان يحيوها بادراك ما داموا محسوبين عليها. ولكي يحيويها يجب ان يخوضوا في غمار مسالكها، وينغمسوا في مشاكلها وينالوا حظوظهم من خيراتها ومن شرورها على حد سواء.. ولكي تنطبق على الواحد منا صفة الحياة يجب ان تكون لديه الإرادة الكافية التي تمكنه من خوض غمارها. والحياة لا تخلو من متناقضات تشل الفكر احيانا وتبعث على العكس احيانا أخرى، لهذا كان علينا تجنب ما يزيد هذه المتناقضات باتباع مسلك مرن نحو حقائقها، ونحو متناقضاتها ايضا. لا أقول يتقبل المتناقضات على علاتها، بل محاولة التوفيق بين هذه المتاقضات حتى تكون شكلا من التجانس والانسجام. والحياة - بلا شك - تلزمنا مطالب عدة بعضها يتصل بأجسامنا وبعضها بعقولنا والبعض الآخر بقلوبنا. فلنوفق بين هذه المطالب مهما اختلفت، ولنوازن بينها كي لا يطغى بعضها على بعض فيحصل الشلل والارتباك. يجب ان نعامل الحياة كمعشوقة.. نستحسن جمالها، ولكن لا نعمى عن رؤية ما فيها من عيوب.. نعاملها في مختلف الأحوال، ونحن مدركون لطبيعة هذه المعاملة، فنلحترف العيش؟ ولنهو الحياة، المهم ان يكون لدينا مسلك معين وواضح تجاهها.. ويكفي ان اكثر من نصف اعمارنا ينقضي -بدون وعي منا- في النوم او في العبث أو في السرحان.
|