الحج لغة القصد واصطلاحا فريضة مكتوبة على المكلفين من المسلمين الذين يستطيعون اليه سبيلا تتلخص بقصد بيت الله في مكة والتوجه اليه لأداء مناسك مقررة أوضحتها الشريعة الغراء وتتناول أعمالا معينة وأفعالا محددة بشروط مبينة.. تبدأ من النية والاستطاعة على تحمل عناء السفر والقدرة على جميع الاستعدادات من توفير راحلة وزاد واستكمال صحة، الى اتخاذ اجراءات خاصة عند الوصول الى المواقيت المقررة وهي حدود رسمها الشرع لا ينبغي لحاج تجاوزها إلا بعد نزع المخيط ولبس غيره بكيفية خاصة سميت الاحرام. يفد المحرمون المتساوون من حيث المظهر في كل شيء لا فارق بين غنيهم وفقيرهم وكبيرهم وحقيرهم أفراداً وزرافات نحو البيت العتيق منادين من أعماقهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. درس في الانضباط لا مثيل له تقوم به أمم لا حصر لها من حيث الشكل والنوع واللغة والتقاليد والعادات، جيش متباين في كل شيء لا يلبث أن يرتدي الرداء الموحد ويتجه الاتجاه الموحد ويردد التلبية الموحدة ويقصد الها واحدا لا شريك له. وما أن تطأ قدما المحرم تراب مكة حتى يذهب بقلبه قبل جسمه إلى الحرم العظيم حيث الكعبة المشرفة فيطوف حولها سبعاً داعيا متضرعا ويقبل الحجر الأسود مهللا مكبرا متعبدا مصليا ركعتين تحية اجلال وتقدير للبيت العتيق الذي يستقبله المسلمون أينما كانوا. درس بليغ في الأدب يؤدي بشكل جماعي رائع، أناس متساوون لا حصر لهم بلباس أبيض جميل موحد يؤدون التحية لبارئهم بالطواف حول بيته يسألونه العفو والمغفرة وتسديد الخطى في دنياهم ويدعونه الفوز بالجنة والنجاة من النار ملبين أوامره مقررين التزام نواهيه راجين الاستجابة لهم آملين التجاوز عن سيئاتهم أنه وأيم الحق مظهر للمسلمين غاية في الروعة ونهاية في البلاغة يجمع معاني المحبة والتضامن نحو غرض نبيل وهدف سام هو السعادة بمشاهدة بيت الله والطواف حول كعبته وتقبيل حجره تعبدا لله واعترافا بالعبودية له وتنفيذا لأوامره وتطبيقا لتعاليمه إنها طاعة مطلقة لفاطر السموات والأرض الواحد القهار. يتدفق المحرمون الى المسعى بعد أداء واجبات التحية والتسليم يتدفقون للسعي سعبا بين الصفا والمروة في مسافة تناهز الميل والنصف بخطى ثابتة وإرادة ماضية تارة مهرولين وأخرى سير الهويني يصعدون مرة على الصفا ويرتفعون أخرى على المروة لا يفكون طوال سعيهم من الترديد والتسبيح بحمد الله والنداءات المستجابة وكأن العرق وهو يسيل على وجوههم تراديد الاستغفار والحسرة على ما أفرطوا من أمرهم واقترفوا من ذنبهم. والسعي درس عملي في العبادة فهو رياضة بدنية محمودة تدعو المسلم لأن يبني جسمه بالقوة كما يبني قلبه بالايمان وهو درس واقعي يوضح ان الايمان بالدين لابد وأن يقترن بالعمل الفعلي لتنفيذ الأوامر وأنه لا يقوم ايمان بغير عمل يعتبر من مقتضيات الايمان وموجباته، فالمؤمن بالله عامل حتما بما يوجبه هذا الايمان من أوامر ونواه وكذلك فإن أعمال السعي إنما هي تلبية لأوامر الله وتنفيذا لمقتضيات الايمان مثله كالصلاة فهي عمل بالجوارح يقصد منه الوصول الى غاية سامية هي التعبير عن الايمان بالله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً. يتقاطر الحجاج المحرمون الى عرفات كيما يبلغوها في التاسع من شهر الحج حيث تكون الوقفة في بطاحها والى مقربة من جبل الرحمة سحابة النهار، فترة الحجيج وقد انتشروا على مد النظر في عرفة بأعداد لا تحصى وكأن وجه الأرض قد اكتست بالملبين المهللين في لباسهم الموحد الأبيض ملائكة تشق أصواتهم أجواء الفضاء يدعون بارئهم العفو والغفران. ألوف مؤلمة من المسلمين قدموا من شتى أصقاع الدنيا وتركوا الأهل والديار لينعموا برؤية كعبتهم المقدسة وأداء فريضة الحج في وقفته الرائعة على صعيد عرفة وليس الحج إلا عرفة فهنيئا لمن عرفه، وهل أبلغ درس في المساواة من وقوف هؤلاء الحجاج لا فرق بينهم في شيء رؤوسهم عارية وأجسامهم ملفوفة بالاحرام وأيديهم ضارعة إلى السماء، هنا تتجلى المساواة التامة بين عبيد متماثلين في كل شيء يقفون وقفة الذل والاستكانة لربهم فوق صعيد واحد أيديهم الى السماء مبتهلين يدعون رب السموات وبارئ الكون دعوة الفقير الملتجئ الى ربه وقد وحدوه بالعبادة وأفردوه بالمناداة وأيقنوا من أعماقهم أنه سبب كل شيء وأنهم عبيد له خلقهم كما خلق هذا الكون جميعه وانهم إليه راجعون. في هذه المساواة الرائعة بين العبيد تزول الفوارق ويتلاقى المسلمون على صعيد الأخوة والمحبة فيتم التعارف بينهم بيسر وسهولة وتنعقد أواصر الصداقة المخلصة بين جموع الحجاج وتنبثق صلات متينة بينهم ليصبحوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. كذلك نرى الحج معلماً قديراً لا يضارعه مدرس ولا أستاذ في تلقين جحافل الوافدين من كل حدب وصوب أروع درس في المساواة والإخاء والمحبة.
|