Thursday 3rd February,200511816العددالخميس 24 ,ذو الحجة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "سماء النجوم"

محاولة فاشلة للهروبمحاولة فاشلة للهروب
قصة: محمد علوان

كنت وحيداً وسط هذا الضجيج لا أعرف كم من الوقت الذي أهدرته في هذه المدينة التي شكلت ملامحي، غيرتني، تسللت مثل الغبار الذي يميزها رغم كل الاحتياطات لكنها عبثت بكل شيء.. بل تجاوزت كل الحدود.. وصلت إلى القلب، أيقنت ليس اختياراً لكن هذه المدينة تجبرك على الصبر ومن ثم ينقلب الصبر إلى يقين وهنا مكمن الخطورة حين غادرتها، غادرت الأحبة، قلت لي: أخرج وجرب هواء آخر، شاهد وجوهاً أخرى انزع الأقنعة وكن كما أنت حين اتجهت شرقا، دخلت إلى عمق الصحراء وكان رمالها الصفراء المتحركة تدفعك إلى البحر حيث الزرقة الأخاذة تهدأ الروع تبلل هذا الجفاف الذي خلفته الصحراء.
قلت لكم، كنت وحيداً وخفيفاً متخلصاً من كل الأشياء كل الأشياء .. كان الطريق مبصرا فأنا لا أحب القيادة إلا في النهار، كانت الصحراء تحاصر هذا النفط القاسي هذا الثعبان الذي لا يملك رأساً.
وحين تعبر بي تلك اللوحة الغبية (طريقاً صحراوياً) ابتسم آخذ جرعة من ماء، وانظر يمنة ويسرة وإذا بالجمال ذات اللون الأسود تعطي المعنى الحقيقي للصحراء قلت لكم كنت وحيداً، أو بالأصح قررت أن أكون وحيداً إلا معي وها أنا اعتدت السكن في نزل أرتاح له، رائحته للعيون التي تبتسم لي للغرباء الذين تدرك في داخلك أن الشعور بالآخر هي تلك اللحظة التي يخطط لها الزعماء ويفقدونها عند أول ساعة من حكمهم. كما هو الاعتياد ادخل إلى مكتب النزل وكما هو الاعتياد دون حجز مسبق ينظر إليك موظف الاستقبال مرحباً يا للحظ!!
يذكر اسمي ويسأل عني وعن عائلتي ثم يردف هل قمت بحجز غرفة؟! كدت أقول له بكل جنون: سوف أسكن هنا مع أي شخص لا تهمني حتى جنسيته، ديانته أنا سيدي وحيد بكل ما تحمله الكلمة من معنى أشار بلهجة وظيفية محايدة: تفضل انتظر.
أمام صالة الاستقبال كانت الساعات على مدار العالم توضح فارق التوقيت أكره الوقت وأكره الساعة لأن المسألة محسومة وفي الوقت نفسه غير معروفة وبين هذين التناقضين لا فائدة لحساب الوقت.
يتسرب الزمن وأنا أنظر إلى تلك الساعات كنت أدخل لعبة غبية فأهرب إلى الساعات التي تسبق ساعتي هذه أضحك على نفسي لكنها في لحظة ما تشفي الغليل وهي بالأصح تشبه تلك اللحظة التي أقرأ فيها الأبراج حيث انتقل من برج لبرج وحين اطمئن لبرج منها اختاره وأشرع حينئذ بالراحة أما في الأسبوع القادم فسوف اختار برجاً آخر واطمئن.
هاهو يشير إلي أتقدم إليه بفرح مخبوء وها أنا أدخل الغرفة فإذا بهذا الكون الفسيح تختصره هذه الغرفة وبدأت الحرية بشكلها البسيط وها أنا أشبه الآخرين.
كان البحر يحيط بي من كل جانب يداهمني الشعور الغريب وأحس أنني في غرفتي هذه أمسك بالبحر وأدخله إلى قلبي وأن تلك الحركة التي يصدرها القلب بشكل مفاجئ في الصحراء والتي لا أعرف لها إجابة إنها لها معنى لا يجلب الخوف..
ما دام البحر في قلبك فإن معنى ذلك أنها موجة خرجت من السرب فاختلف الايقاع هي هذه الأشياء أبحث معي عن الأسباب البسيطة حين تعرفت على غرفتي وألفت رائحتي استأذنتها بالخروج ووضعت على مقبض بابها ممنوع الإزعاج وكأنني أحذر الآخرين بعدم المساس بها بازعاجها وهاهي تحتفظ بي لحين لقاء آخر هكذا تصورت.
تلك العازفة (المجرية) تشعرك بأن الكنجة التي تعزف عليها قد شكلتها من أضلاع هذا الجسد الناحل وأنا أدخل هذا العالم بين العازفة وبين الموسيقى التي دخلت إلى البحر الذي ملأني.
فجأة وإذا به أمامي كنت بطبيعة الحال أرتدي ملابسي، العقال، الغترة، القبعة، الثوب الأبيض، الملابس الداخلية والجوارب والحذاء الأسود.
فجأة وإذا به أمامي أصابني خوف عجيب هل يعقل أن يشبهني إلى هذه الدرجة إنه أمر من الصعوبة بمكان، تعوذت من الشيطان مئات المرات لكن لا فائدة.
هاهو أو ها أنا من المستحيل أن أكون في مكانين في الوقت نفسه.
كرهت تلك الساعات وكرهت فارق التوقيت لكن المسألة أخذت جانباً حقيقياً هذا الذي أشير بأصبعي إليه دون أن أثير انتباهه هو أنا أقسم بالله ان الملامح هي نفسها، الضحكة الحركة الجسم وكان وحيداً.
هل ترغب في المزيد؟ قلت لها: شكراً هل لي بقيمة هذه اللحظات، غادرت المكان، راودني شعور انه يتابعني، امتلكت قليلاً من الشجاعة ولم التفت اليه كنت جائعاً إلا أنني قلت لي حافظ على هذه المتعة، هبطت ثلاث درجات انحرفت يمينا ثم يسارا، تنامى الحس بوجوده في مكان ما حاصرني بنفس العطر الذي يروق لي جاهدت نفسي بألا التفت خلفي ذلك لأن شخصاً ما يتبعني بل قررت ألا التفت خلفي، فجأة انطلق صوتي بأغنية جنوبية لم أكمل أبياتها بالنسيان العظيم لكن صوته ذكرني بها غنى حتى الأبراج لا أعرف في أي برج ولدت فيه لكن المسألة بشكل علمي يمكن الحصول عليها هدأ الخاطر قليلاً ثم ما لبثت أن ثارت شكوكه وطرح السؤال الذي كدت بعد طرحه ان التفت ورائي كان السؤال وهل تعرف برجه؟
وبحركة سينمائية توفق بين رغبتين متناقضتين استدرت بسرعة لا يحتملها الممتلئ عدت إلى الوراء بطبيعة الحال لم أجد أحداً سوى بعض القادمين من شرب وهم يضحكون بصوت عال تمنيت في تلك اللحظة ان أراه أن أسأله بطبيعة الحال عن تلك الأسئلة من تكون؟ ما هو برجك؟

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved