سلوم - كما يحب أن يُطلق عليه - استطعت بالكاد أن آخذ موافقة منه على كتابة هذه النبذة عن شخصه؛ لأن برنامجه مزدحم جداً!!. ولأنه لم يتجاوز السنة الثالثة بعد.. فهو يستيقظ في الثامنة ويتناول إفطاره مع والدته.. ثم يبدأ برنامجه.. وبرنامجه!!. مشاهدة المسلسلة الصباحية.. مشاهدة المسلسلة ما بعد الصباحية.. مسلسل الظهيرة.. ما بعد الظهيرة.. المسلسلة المسائية.. اليومية.. السهرة.. و... وينتهي كل هذا وقد استحالت عينا سلوم إلى دائرتين حمراوين كعيون المجانين الروس المترنحين في غروزني!!. ومع تكرار التنفيذ للبرنامج المزدحم.. أصبح سلوم يعاني من أزمة فكرية بسيطة. والسبب؟! ( في المسلسل الصباحي يرن الهاتف فيرفع رمزي السماعة ليجد البنهاوي على الخط).. لذا، عندما كان سلوم يستمتع بوقت فراغه القصير بين اخوته، رن جرس الهاتف فقفز من بين اخوته معلناً بلهجة لا تحتمل الشك أن البنهاوي على الخط.. ضحك اخوته وهنؤوه على روحه المرحة.. لكن سلوم لم يكن يمزح.. إنه يشاهد ولابد ان يطبق (!!) وبدأت أزمة فكرية شديدة! وأكثر!! خذوا على سبيل المثال: امرؤ القيس كان يحب الكشري.. ولا يجلس على مائدة الغداء إلا إذا رآه.. ومجنون ليلى ترك الجنون ذات يوم وجلس في مقهى يحدث رواده عن مخاطر العولمة الاقتصادية!! والأمين والمأمون لم يختلفا إلا على (خمسين فداناً) التي يملكها أبوهم في الصعيد.. والظاهر بيبرس كان في الأصل محامياً (أد الدنيا).. ترك المحاماة ليتفرغ للخلافات مع قطز.. وهولاكو كان رجلاً صالحاً.. إنما البلوى كانت في رأس زوجته الشمطاء المنغولية.. وما شئت من الأكاذيب التي تدخل رأس سلوم كل يوم.. وعليه أن يصدقها!!. والمشكلة ان هناك - على امتداد أرضنا - الملايين مثل سلوم يتلقون نفس الأكاذيب.. ويعيشون نفس الأزمة!!. أعتقد أن علينا جميعاً أن نجهز نعشاً للتاريخ؛ لقد أصبح كل جائع يحرق صفحة من التاريخ ليأكل..
منصور العتيق |