تذكر الناقدة اللبنانية يسرى مقدم في كتابها (شبهة الكتابة) (لأن المرأة وردت نبع الكتابة بعد الرجل، فإنها قبل أن تكتب قرأت الكلام الذي كتبه وأطاعته وأذعنت لصورتها فيه وظلت مقصية عنه. لقد حرض هذا الكلام ظنونها، وأيقظ هواجسها وزين لها الكتابة، فكتبت ما تعلمته دون أن تدرك في البداية أن النقل مخادع ومتواطئ ولا يناصرها بقدر ما يختزلها إلى كينونة فرعية، تدين بالولاء أبداً لمحفوظاتها). تناولت الكثير من الكتابات النقدية النسوية هذا الموضوع على اعتبار ان الكاتبة المرأة تكتب بلا ذاكرة فهي اذن تستأجر الذاكرة المتاحة التي تتلمذت على يديها وبالتالي يتم هنا تبنيها لقضايا متخيلة وبعيدة عن واقعها بشكل مخل بتوازنها الإنساني والقضايا الخاصة بها، ولأن الإطار النقدي الذي ستمر به هذه الأعمال بالتأكيد صنع لمواصفات ومقاييس غير تلك التي تصدر أدبها من خلالها فإنها بالتالي لابد أن ترضخ لحاجات السوق والعرض والطلب، أو ستنفى هناك في مواقع قصية، تحت وصمة التفاهة والهشاشة والثرثرة النسوية التي لا تعنى بقضايا العالم الكبرى، والأدب الرفيع والخالد، تلك المواقع التي تقع على الأطراف مجاورة للأدب الشعبي أو الدراما التلفزيونية، دون أن تحصل على رضا مجمع الخالدين الذي وحده من الممكن أن يسوغها كقيمة أدبية عالية.ويصبح بالتالي أمام المرأة الكاتبة خيارين إما الاكتفاء بالذاكرة المتاحة السهلة المبنية بصورة تراكمية عبر مئات السنين التي كونت البنية الثقافية والفكرية المتينة الصلدة التي لا تخترق، أو تختار طريق الغابة، وطريق الغابة هو اجتياز غابة الكلام دون خريطة، سوى الحدس والأحلام وومضات من خبرة مشوشة وضئيلة ومساحة صغيرة للتحرك. وعندما يقولون ليس هناك أدب رجالي أو أدب نسائي بل هناك أدب حقيقي وأدب كاذب، هم من خلال هذا التقسيم النهائي والقاطع يصنعون الحدود النهائية بين الأدب المبرر والمقبول، والذي صنع طقوسه وشروطه وقوانينه التي استتب من خلالها عبر مئات السنين، وأي تقاطع مع هذه القوانين مصيره النفي والإبعاد، ان كذبة عدم وجود أدب نسائي وأدب رجالي بل هناك أدب حقيقي هي الكذبة التي ترفع كالعين الحمراء لجميع اللواتي يحاولن الخروج على طقوس وتقاليد عتيقة ظلت تسيطر على الساحة الأدبية عشرات السنين وذائقة منحدرة من تعاليم وضوابط نقدية كل ما بها يرفع شعار. (ممنوع دخول النساء)
|