حدثني بعض الآباء الحريصين على مستقبل أبنائهم في التربية والتعليم، بأنهم يخشون على الأبناء من الإحباط والتوتر النفسي جراء ما يعانونه من ضغوط أثناء الدراسة وعند الامتحانات، وقد لاحظ الكثير منهم على تقارير نتائج الأبناء للمرحلة الابتدائية والمتوسطة وجود الكثير من ربع ونصف وثلاثة أرباع الدرجة للكثير من المواد الدراسية وخصوصاً للبنات والملاحظ أن الجميع متفق على مقدار ما يبذله الطالب أو الطالبة من جهد في عملية حفظ المنهج؟! وفق ما يطلبه معلم - معلمة المادة! وأن أي تقصير في ذلك سيواجهون عقوبات كالوقوف طوال الحصة أو التهديد المبالغ فيه من قبل بعض المعلمات!! ولعل الملفت للانتباه أن الدرجة المخصصة للمشاركة هي خمس درجات وتمثل حوالي 15% من الدرجة الكلية للمادة، وهذا مؤشر واضح على ضعف الاهتمام بعنصر المشاركة وتعويد الطلاب على النقاش والاستنتاج وانعكاس ذلك على تطوير وبلورة فكر وشخصية الطالب، بحيث يكون قادراً على العمل والعطاء وتحمل المسؤولية في حياته العلمية. الجميع يدرك مدى اهتمام الكثير من دول العالم المتقدمة بقطاع التعليم ومقدار الجهود والبحوث التطويرية المبذولة للارتقاء بمدخلاته ومخرجاته، إيماناً منها بأنه هو الأساس في تقدم وتطور الأمم في شتى المجالات، وهو يخضع لعملية تقييم وتطوير بشكل مستمر، مع ربط ذلك بخطط واستراتيجيات كل دولة بحيث تحقق وتخدم أهداف ومخرجات التعليم توجهات الدول في تطوير المجالات الحيوية المهمة كمجال الصناعة والتقنية.. إلخ.. التعليم في بلادنا حقق تطوراً وتقدماً كمياً، إلا أن الجانب النوعي لمخرجاته دون المتوسط! وساهم في ذلك عناصر عدة منها على سبيل المثال: تقادم أسلوب التدريس، محتوى المناهج الدراسية والحشو النظري، تدني كفاءة المعلم والمبنى المدرسي وغير ذلك. للأسف أن الكثير من خريجي الثانوية العامة وحتى خريجي الكليات تفتقر الغالبية منهم إلى الكثير من المهارات والقدرات التي من المفترض اكتسابها من خلال مراحل التعليم العام؟! يضاف إلى ذلك دور القنوات الفضائية وسلبياتها المتعددة حتى أصبح الكثير من الطلاب يتقمص هوية وثقافة مستوردة، مما أوجد جيلاً تائهاً وحائراً ومتغرباً وهو في وسط مجتمعه، فلا التعليم العام والجامعي قادر على احتواء هذه الظواهر من خلال المناهج التعليمية والثقافية، ولا حتى المؤسسات الثقافية والاجتماعية والإعلامية والدينية والمنزل قادرة وبشكل فاعل على التواصل مع شريحة الشباب والتي تمثل أكثر من 50% من سكان المملكة. لم تنجح جهود تلك الجهات المعنية في إيجاد بدائل فعالة لاستيعاب خريجي الثانوية العامة وتأهيلهم حسب متطلبات وحاجة سوق العمل والذي يكتظ ويعج بالعمالة الوافدة. الجميع يعلم أن أسلوب الحفظ والتلقين في مدارسنا وكلياتنا لا يخدم برامج التطوير والإصلاح والتنمية الشاملة، إذ يترتب على ذلك الكثير من السلبيات في حق أبناء الوطن وفي حق وطننا الذي يبذل الغالي والنفيس من أجل النهوض بمصالح الوطن العليا والارتقاء في كل ما يخدم أبناء هذا الوطن في كافة المجالات. إن التحديات التي نواجهها من كل صوب في ظل الظروف الإقليمية والدولية تتطلب مراجعة جادة لسياسة التعليم العام والعالي والتقني والمهني بما يحقق نقلة نوعية في مخرجات التعليم تتلاءم مع احتياجات التنمية الاقتصادية والتقنية والاجتماعية. لابد من إعادة النظر في أسلوب الحشو والحفظ وعلاقة المعلم - المعلمة بالطلاب، فواقع الحال للأسلوب المتبع لا يفيد الطالب في تحصيله المعرفي وتكوين شخصيته الواثقة في سائر أمور حياته، ولابد من التركيز على تنمية مهارات الفهم والمناقشة والإبداع لدى الطلاب ورفع درجة المشاركة وبشكل متدرج، لأنه أيضاً من الصعب تغيير أسلوب التدريس من التلقين والحفظ إلى النقاش والاستنتاج والفهم بين عشية وضحاها، إلا أننا نأمل أن يعاد النظر في تدريب المعلمين والمعلمات على المبادئ والأهداف التي تحقق ذلك وتتفق مع ما يتطلع له الجميع من تقدم وتطور ومناقشة في كافة المجالات. العملية التعليمية لا تكتمل فقط من خلال وجود مدرسة مستأجرة تنقصها الكثير من المقومات التربوية، ومعلم يفتقر إلى الكثير من مهارات التدريس الفعالة وإلى روح المشاركة وتقبل الآراء والنقد البناء وإعطاء مساحة كافية للحوار والنقاش مع الطلاب وإلى غياب مكتبة مدرسية تعود الطالب على القراءة والبحث وكذلك ضعف ما توفره بعض المدارس من الوسائل التعليمية المناسبة للمرحلة التعليمية التي يدرسها الطالب. تطوير العملية التلعيمية يحتاج إلى مشاركة الجميع بدءاً من أولياء الأمور والطلاب والعاملين في الميدان التربوي مع صناع القرار وعلى أن يتسم ذلك بالشفافية والمصارحة والنقد الذاتي والديمومة من خلال تكثيف ورش وحلقات النقاش في كافة مناطق المملكة لما لذلك من فوائد عدة، وأيضاً إلى الاهتمام باختيار وإعداد المعلم المؤمن برسالة التعليم وتربية النشء بكل أمانة وصدق لغرس القيم الجيدة، والقادر على فهم مشكلات الطلاب وتشجيعهم ودفعهم للأمام والنهوض بمعنوياتهم وإلى عدم المبالغة في المقررات والتركيز على الكيف وليس على الكم، وإلى إلغاء أسلوب الحفظ والتلقين إلى أسلوب الحوار والاستنتاج، وإلى تهذيب أساليب التعامل مع الطلاب، وإلى الاهتمام ببيئة المدرسة وجعلها مناسبة ومهيأة بكل الوسائل والتجهيزات اللازمة.
|