Thursday 3rd February,200511816العددالخميس 24 ,ذو الحجة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الفقر.. معضلة الإنسان الكبرىالفقر.. معضلة الإنسان الكبرى
عبدالله بن ثاني*

تذكر كتب التراث أن الخليفة العربي سيدي عمر بن الخطاب قال يوماً: (لو كان الفقر رجلاً لقتلته). وهذا أبلغ تعبير عن الرغبة في التخلص من الفقر تحت مبدأ العدالة الاجتماعية لأنه يشكل أكبر عائق للتنمية البشرية والارتقاء بالأمم في تشكيل أخلاقها ولذلك صدقوا في وصفه حين قالوا: (كاد الفقر أن يكون كفراً)..، ولا أدل على ذلك من قول علي رضي الله عنه حين قال: (عجبت لجائع كيف لا يخرج صائلاً على الناس بسيفه)..! ليعطي الحجم الحقيقي للكارثة الإنسانية التي يعيشها الجائع عندما تتساوى النتائج في عقله وإن كان هذا لا يسوغ لعاقل العبث والقتل والتدمير؛ لأن نتائج ذلك أكبر عليه وعلى مجتمعه من نتائج الفقر.. وبناء عليه لم يقم الخليفة عمر حد السرقة في عام الرمادة (عام الجوع) ليس تعطيلاً للنص وإنما وجد أن شروط تطبيقه لا تتحقق من باب درء الحدود بالشبهات، وإدراكاً من الشريعة الإسلامية لهذه المعضلة العالمية عالجت آثارها وسدت بابها بفرض فرص التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع عن طريق الصدقات والزكاة والكفارات، حرصاً على السلامة والحماية.. ونلحظ بكل أسف زيادة معدلات نسبة الفقر والبطالة في هذا العالم الذي استقبل السنة الخامسة من الألفية الجديدة، في ظل ظروف وتحولات لم تعد السيطرة على آثارها في متناول يد الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية، ومن أسبابها:
1- عدم المساواة في توزيع الثروات الوطنية في ظل أنظمة اقتصادية متقلبة مستأثرة بكل الفرص على يد مؤسساتها المحتكرة مما يزيد من الطبقية التي تهدد بتدمير نسيج المجتمع الواحد، فينقسم المجتمع إلى طبقتين يصعب علاج الفارق بينهما مما يؤثر سلباً على التنمية الوطنية ودعائمها الأساسية.
2- المواجهات المحلية وإثارة الفتن وصرف اهتمامات الحكومات الصادقة عن علاج هذه القضايا المهمة بعلاج مظاهر العنف وسياسات المواجهة، وكذلك الحروب المفروضة على الشعوب من الخارج، وتأثر من حولها بنتائجها المدمرة، والمقاطعات والضغط الدولي من المؤسسات الاقتصادية الكبرى والقرارات الأممية التي يدفع ثمنها الشعوب قبل أي نظام يستحق ذلك الحظر الاقتصادي.
3- الكوارث الطبيعية التي تصيب أي بلد فتشل حركة مؤسساته وقطاعاته الخاصة والعامة مما يؤدي إلى نقل مزيد من ميزانيات المؤسسات المهمة لمواجهة الطارئ، وضخ مزيد من مخصصاتها لعلاج آثار تلك الكوارث.
زيادة عمق الهوة بين الشعوب المتقدمة والنامية واستغلال العولمة وثورة التكنولوجيا في فرض الهيمنة والوصاية، وأصبح هم تلك الشركات الكبرى حل مشاكل البطالة في مجتمعاتها على حساب زيادة مشاكلها في تلك الدول الحاضنة مما أعطى مناخاً دولياً مشحوناً يشعر بالفزع من أي رأس مال أجنبي لا يؤمن بكل أسف برسالة تحقيق فرص حقيقية للتعايش السلمي والتقدم الاقتصادي والرقي الاجتماعي والثراء الثقافي بين الشعوب.. إن التقارير الحديثة التي أصدرتها المؤسسات الدولية مخيفة عندما أكدت أن ملياراً ومائتي مليون من البشر يكابدون هم العيش في اليوم وما فيه من حاجات أساسية بأقل من دولار واحد، وأثبتت تقارير أخرى أن نصف سكان هذا الكوكب (ثلاثة مليارات) يصارعون الحياة بأقل من دولارين في اليوم الواحد مما يعطي مؤشراً إنسانياً سخيفاً لمحتكري رؤوس الأموال الذين استأثروا بكل مقومات الأوطان المختصرة في شخوصهم وشركاتهم الرابحة وهذا ما أكده تقرير التنمية البشرية الصادر حديثاً إذ نص على أن خمس سكان العالم من الأثرياء يحصلون على (86%) من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويسيطرون على (82%) من صادرات العالم وهذا المؤشر المخيف أدركته الدورة (58) للجمعية العامة للأمم المتحدة، ورفعت تقريرها للأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 19 فبراير 2004م وقالت فيه: (إن القضاء على الفقر هو أخطر تحدٍ عالمي يواجه العالم اليوم وأنه ضرورة لا غنى عنها لتحقيق التنمية المستدامة لا سيما بالنسبة إلى البلدان النامية.. وأن كل بلد تقع على عاتقه المسؤولية الرئيسية عن تحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر فيه انطلاقاً من أهمية دور السياسات والإستراتيجيات الإنمائية الوطنية) ولا أدري بعد هذا ما سر تجاهل النتائج السلبية للحروب وفرض الوصايات والاتفاقيات الثنائية التي توقع على حساب تنمية بلدان أخرى ومصالح شعوب نامية وبخاصة أن الفقر أصبح معضلة دولية لا يمكن تجاهلها على المستوى المحلي أو الخارجي وظهرت آثارها بما لا يخدم مسألة تحقيق التوازن الاقتصادي لشعوب تبحث عن الاستقرار والأمن وهما ما يشغل ذهن العالم وهيئة الأمم المتحدة التي حذرت من الفقر وآثاره في خطابها المعتمد على بيانات البنك الدولي بشأن الألفية الجديدة في ظل دعم مبادئ الكرامة والمساواة والسلام العادل الدائم وضمان العولمة كقوة إيجابية تعمل لصالح الشعوب وعدم حرمان أي فرد أو أمة من فرصة الاستفادة من التنمية وضمان المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص لجميع الأفراد والأعراق ولكن المتبصر في حال الحكومات والمؤسسات الدولية يجد أنها غير جادة في علاج هذه الظاهرة والدليل على ذلك أننا لم نلمس ما يخدم جعل الأمم المتحدة من 1996- 2006م أول فترة يقضى على الفقر فيها، وجعل يوم 17 أكتوبر من كل عام يوماً للفقر وتعزيز كل الجهود الدولية ودعم مراكز البحوث المتخصصة تحت ما يحقق الهدف الأسمى لما ورد في ديباجة هيئة الأمم المتحدة قبل عقود، وتشجيع ما ورد في بند (5) من إعلان قمة (ريو) عام 1992م، وقمة كوبنهاجن عام 1995م وقد أكد ضرورة علاج الكارثة آخر تقرير منشور في الصحف العالمية للأمم المتحدة جاء فيه: إن 500 مليون نسمة في العالم يمكن أن يتخلصوا من الفقر خلال العقد المقبل، وأن عشرات الملايين يمكن أن يتجنبوا الموت إذا التزمت الولايات المتحدة واليابان والدول الغنية الأخرى بتعهداتها بزيادة عون التنمية للدول الفقيرة.
وقال البروفيسور جيفري ساتش رئيس (العمل على مكافحة الفقر) التابع للأمم المتحدة: إن التقرير المؤلف من 3 آلاف صفحة يوضح الاستثمارات الضرورية لمقابلة أهداف الأمم المتحدة والتي تبناها زعماء العالم في قمة الألفية (ديربان 2000) لمواجهة مشكلات الفقر والجوع والمرض خاصة في إفريقيا وآسيا حيث يعيش أكثر من مليار نسمة على أقل من دولار في اليوم و1.8 مليار على أقل من دولارين في اليوم.
وأضاف ساتشس: (النظام العالمي لا يعمل بشكل جيد، بوضوح هناك عدم توازن مريع في التركيز على قضايا الحرب والسلام، وتركيز قليل على الذين يموتون نتيجة الفقر والجوع، لأنهم بلا أصوات).
وقال مدير معهد الأرض بعد كارثة تسونامي: عيون العالم تتركز الآن على تسونامي المحيط الهندي، لكن هذا العالم يستمر في تجاهل (تسونامي الموت الصامت) نتيجة الإصابة بالملاريا والذي يبتلع حياة 150 ألف طفل كل شهر في إفريقيا، وهناك سؤال أمام هذه الأرقام الكبيرة: لماذا لم تؤمن الحكومات والأثرياء بما جاء في آخر ذلك التقرير المنشور في الصحف العالمية من توصيات مثل توزيع واسع النطاق للناموسيات والأدوية المضادة للملاريا، وخطر فرض رسوم على التعليم الابتدائي أو الخدمات الصحية الأولية، وتوفير الدواء المجاني لأكثر من 3 ملايين مصاب بفيروس الإيدز والملاريا، وتقديم الأسمدة مجاناً إلى صغار المزارعين في الأراضي الفقيرة النوعية.
وحض التقرير الدول الغنية على زيادة عونها للتنمية من 0.25 في المائة من إجمالي دخولها الوطنية إلى 0.44 في المائة في 2006م وإلى 0.54 في المائة في 2015م وهي نسبة تقل عن 0.7 في المائة الرقم المستهدف في خطة الألفية.
وشددت توصيات التقرير على أن تفتح الدول الغنية أسواقها أمام صادرات الدول النامية وفقاً لدورة محادثات الدوحة حول التجارة العالمية.
ودعت التوصيات المانحين الدوليين إلى حشد الدعم من أجل البحث العلمي والتنمية لمقابلة حاجات الفقراء في مجالات الصحة والزراعة والموارد الطبيعية والإدارة البيئية والطاقة والمناخ.
إن ديون الدول الفقيرة المتراكمة في ظل الحروب والكوارث والتوزيع السيئ للثروات الوطنية تزيد من حجم الكارثة عندما تغرق في مستنقع التسديد، الذي أصبح صعباً لأنه يؤثر على التنمية الوطنية وتطوير الإنسان وحل مشاكله الناتجة عن الفقر وبخاصة أنها في ظل نظام دولي يحمل في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب لمن لم يستطع التسديد في الوقت المعلن من جهات متعددة مثل قلة فرص الإقراض مرة أخرى، وزيادة الفوائد المستحقة.
ولذلك أصبح تخفيف حجم الديون الخارجية للدول الفقيرة بحيث يلغى بعضها أو تخفيض الفوائد أو تعاد جدولة الاستحقاقات ضرورة لا يمكن تجاهلها إن كانت المؤسسات والحكومات العالمية ترعى حقوق الإنسان حقيقة بما يحقق له حياة كريمة، لأنه لا قيمة للشعارات البراقة في ظل الجوع الذي لا يعني فقط انخفاضاً في الدخل الفردي أو الناتج المحلي، بل يعني تأخراً في معظم المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما ينعكس سلباً على علاقات مهمة تخص الوطن والمواطن بازدياد نسبة الفساد والجريمة والانحلال تحت مسوغات القضاء على الجوع وتوفير سبل الحياة الصعبة وهذا ما أكدته نتائج الدراسات الاجتماعية التي أثبتت أن الفقر سبب مباشر لتغيير مبادئ أي الإنسان جائع إلا من رحمه الله.
والله من وراء القصد.

* الإمارات العربية المتحدة

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved