Thursday 26th December,200211046العددالخميس 22 ,شوال 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

نوافذ نوافذ
الثمن
أميمة الخميس

بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثانية والتسعين لمولد الروائي العربي «نجيب محفوظ»، تسلط العديد من المطبوعات العربية بعضاً من الضوء على حياته وسيرته الشخصية وعلاقته مع الرواية على وجه العموم.
ومن خلال متابعتي لسيرته وتفاصيل حياته اليومية وجدت أن خطها البياني هادئ ومستقر لا يحتوي على تلك الانكسارات المأساوية أو الصعود الشهابي السريع والذي تتميز به حياة الأدباء والمشاهير عادة.
بل حياة تسودها ظلال السكون والتأمل العميق الذي قرر من خلاله أن يغادر مسرح الحياة، ويرتكن إلى الكواليس الدامسة كي يستجلي ألغازها وأحجياتها، ومن ثم يعيد صياغتها في شخوصه الفنية.
وبعيدا عن جائزة «نوبل» وبعيدا أيضا عن طريقة إخواننا المصريين في تقديس وتفخيم رموزهم، إلا أنني أرى على المستوى الشخصي بأن «نجيب محفوظ» هو أروع وأعمق روائي عربي من حيث الموهبة والسيطرة على أدواته.
فهو لم يتورط بأيدلوجية أو شعار حاول أن يروجه أو يدعو إليه، بل كان إخلاصه الأول والأهم لفنه وللحياة بحد ذاتها والتي حينما تنعكس في مرآة فنه الجذابة فهي تخرج فناً خالداً أخاذاً.
وعلى الرغم من هذا بقيت حياة نجيب محفوظ الشخصية بمأمن عن العواصف والأعاصير السياسية والاجتماعية والعاطفية، لربما هو ومن خلال قرار شخصي مبكر قرر أن ينسحب منها ليرصدها.
وفي بعض الأحيان عندما نطلع على بعض من السير الذاتية للأدباء نجد مفارقات قدرية ومآسي وموتاً وفراقاً وتشريداً وجوعاً، وكأن قدر الفنان الدائم أن يدفع أثماناً باهظة للحياة ثمنا لموهبته.
ولعل هذه الأقدار المأساوية التي تحدق بحياة المبدعين تكون نتيجة نفورهم من النمطي والعادي السائد ونزوعهم دوماً للمختلف والنائي والمستحيل ولعل هذه الرحلة تكون وقوداً لإبداعهم ومؤججاً له ولكن الصوت المرتفع والدامي لأقدارهم يجعل طيور الإبداع تختفي وتغادر فيظلون في حالة عراك دائم معها دون أن يتفرغوا لرصدها وتبقى أعمالهم الإبداعية هي نثار مشتت كُتب في استراحات المحارب.. طرفة بن العبد حمل حتفه بيده، وامرؤ القيس تساقط لحمه في غربته واحتضر غريبا، والمتنبي قتلته دنياه باكراً، وقيس بن الملوح انتهى مجنوناً وابن زيدون سجيناً،
بدر شاكر السياب مريضاً طريداً، لن استمر لن تفي مساحة الزاوية بهذا.
ولكن ما أردت أن أصل إليه أن نجيب محفوظ اتخذ أكثر الخطوات شجاعة في حياته عندما قفز من قطارها باكراً وفضل أن يراقبها بهدوء وصمت وتأمل كثيف عن الانخراط في سرابها المغوي.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved