لم أجلس إلى السيد حبيب محمود أحمد ولا مرة واحدة «وان كنت رأيته كثيراً عندما كنت تلميذاً في مدرسة العلوم الشرعية»، على الرغم من أن لهذا الرجل المثير للجدل، وبالذات في المجالس العامة بالمدينة، ديناً ليس في عنقي وحدي ولكن في أعناق آلاف من الرجال الذين كانوا أطفالاً أومراهقين يوماً ما. هذه حقيقة أذكرها أو استحضرها كلما زرت المدينة أو مررت بجانب مدرسة العلوم الشرعية.
عندما تنطلق صافرة الدخول إلى المدرسة كنا نتدفق من الاتجاهات كافة، ولا أحد يوصله السائق الخاص أو والده، كنا نستيقظ مع تباشير الفجر،ولا تطلع الشمس إلا ونحن قد انتهينا من الافطار والشاي وأخذنا كتبنا باتجاه المسجد النبوي - هذا ما يحدث لأغلبية تلاميذ مدرسة العلوم الشرعية وقد كنت واحداً منهم - أما البقية فقد كانوا يتراكضون بين المسجد والشارع والأزقة المجاورة، لكن الصافرة التي يطلقها الشيخ سليمان سمان، كانت تجمعنا في لحظة واحدة، وعند باب الدخول كان هناك رجل مهيب يلبس ثوباً أبيض وغترة بيضاء وعباءة، يجلس على كرسي أو دكة، بجانب الباب، وكأنه يحصي أعداد التلاميذ أو يطمئن على وجودهم جميعاً كما يحب ويأمل، وحالما يطمئن على دخولنا، كان يقف متجهاً إلى سيارته، كان يفعل ذلك يومياً مع ان بامكانه أن يطمئن على سير الأمور في المدرسة، بجميع السبل فقد كان رجلاً قادراً وناجحاً وكانت كلمته مسموعة، ومن شدة احترام الناس له لم يكن ينادي أويرد اسمه إلا بأنه «السيد حبيب» من دون زيادة أونقصان، هذا الاختصار والتبجيل، لم يحصل عليه السيد حبيب، لأنه يوزع المال، ولكن حصل عليه لاهتمامه ورعايته لنا، وهي رعاية تكان تكون شاملة، فقد كان هناك إحصاء دقيق للتلاميذ الفقراء والنجباء، ولمن يغيب أو يمرض أو يمر بظروف تمنعه من الانخراط في الدرس، وكدليل على هذا الحرص في تحسس ظروف التلاميذ،استن الرجل سنة حميدة لم أعرف أن مدرسة اقدمت عليها: فقد كان التلميذ الذي لا تقبله بعض المدارس لأسباب تتعلق بمزاج مديرها تقبله مدرسة العلوم الشرعية ضاربة أروع الأمثلة في اتاحة العلم للجميع، وعلاوة على ذلك كانت المدرسة تقيم وليمة سنوية فاخرة، لجميع التلاميذ، يوزع بعدها ريال فضة، على كل تلميذ، وطاقة أو لفة قماش خام، وكان التلميذ الذي يجتاز مرحلة تجويد القرآن الكريم، يوضع مباشرة في الصف الثالث ابتدائي، وكانت العلوم الشرعية تطبق نظام مرحلة التمهيدي والتي كان يطلق عليها «سنة أولى صغيرة» وبعدها ينتقل الطالب إلى سنة أولى كبيرة، وبذلك كانت الدراسة في المرحلة الابتدائية سبع سنوات.
كان السيد حبيب يصرف على المدرسة من ماله أو من مال أسرته مع اشراف وزارة المعارف عليها.. وكانت هذه المدرسة مضرب المثل في الجدية والانضباط.. للحد الذي ترسل فيه المدرسة فراشاً، يطرق على الأبواب من العصر، وحتى الغروب، ليسأل الغائبين عن سبب تغيبهم وكان معه دفتر يدون فيه أسباب الغياب، كانت هذه المدرسة قمة في الانضباط، لا أعتقد أن جلوس السيد حبيب اليومي امام المدرسة وحده اشاعها، لكن اشاعها حرصه ومتابعته ووجود مجموعة خيرة تساعده على مهمته الجليلة أتذكر منهم الأساتذة بكر آدم وعمر عينوسة وسليمان سمان.
لقد عادت لي الذكريات عن السيد حبيب وأنا أقرأ نعيه في صحفنا.. رحمه الله فقد رعانا صغاراً وأحسن رعايتنا وقدم لنا شيئاً من كل ما حباه الله به: الأبوة والتوجيه والمتابعة والمال.. قدم لنا كل هذه الأشياء دون أن يأخذ من أحدنا قرشاً واحداً، بل انه كان يعطينا اذا أحس بأننا في حاجة إلى المساعدة.. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
|