خرجت القوات الإسرائيلية من مقر عرفات لتتمركز خارجه ولتذكِّر الجميع بأنها حاضرة ومستعدة للعودة في أي وقت، وهي قد عادت بالفعل مساء ذلك اليوم الذي رفعت فيه الحصار لتبقى قريباً حيث يوجد الرئيس الفلسطيني.
ويجري تصنيف مثل هذا الأمر على أنه إعادة انتشار من وجهة النظر العسكرية، أما من الناحية السياسية فهو لا يتجاوز مجرد ذر للرماد على العيون. فقد بدت إسرائيل وكأنها تنفذ قرار مجلس الأمن الأخير الذي دعاها لإنهاء الحصار بينما هي في الواقع تزيد من الحصار، ليس على عرفات فقط وإنما على جميع الشعب الفلسطيني.
وقد تصرفت إسرائيل وهي تخرج من مقر عرفات وفقاً لضغوط أمريكية، لكنها تحركت أيضاً بدوافع ذاتية، فإذا كانت الضغوط الأمريكية تستهدف عدم ترك أي أمر آخر يخلُّ بخطط واشنطن تجاه العراق، فإن لإسرائيل ذاتها مصلحة فيما يدبر للعراق، بل هي من أكبر الداعمين لتوجيه ضربة إلى هذا البلد باعتبار أن ذلك يدخل في صميم استراتيجيتها الشاملة تجاه المنطقة والتي تنص على إضعاف جميع الدول العربية لكي تبقى هي المسيطرة.
لقد خرج المحاصرون مع عرفات أول أمس وهم يقولون إنهم خرجوا من السجن الصغير إلى السجن الكبير، والأمر فعلاً كذلك، حيث إنهم ما كادوا يبرحون ساحة المبنى حتى قابلتهم الدبابات الإسرائيلية وهي تجوب مدينة رام الله المقر المؤقت للرئاسة الفلسطينية.
وخارج رام الله انتشرت الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش وهذا هو الحال مع بقية المدن والبلدات الفلسطينية.
وفي مثل هذه الأجواء من الحصار والتضييق، هناك مَن يطالب السلطة الفلسطينية بأن تقوم بإصلاحات، بل وبإحكام الأمن، بينما قوات الأمن الفلسطينية لا تستطيع التحرك من منطقة لأخرى، كما أنها تفتقر للمقار والمكاتب والسيارات، لأن القوات الإسرائيلية دمرت كل هذه الأشياء، وعندما يقع هجوم على إسرائيل فسرعان ما يتم اتهام سلطة عرفات بأنها تتراخى أمام المهاجمين.
 |