نشرت الجزيرة في صفحتها الأخيرة قبل عدة أيام خبراً مغموراً عن فتاة لا تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها حاولت الانتحار هرباً من عملية زواج مدبرة من شيخ كبير.
ولا أدري لِمَ لم يحظ هذا الخبر بتغطية إعلامية عميقة وشاملة تبين تفاصيله وملابساته وقبل أي شيء فجيعته. مع العرض على المختصين لتحليل خلفيته الاجتماعية؟
فإن ما زلنا نراعي الحساسيات الاجتماعية والعائلية التي تحيط بهذا النوع من الجرائم فهذه جريمة أخرى بحد ذاتها.
فالفتاة تبلغ من العمر أربعة عشر عاماً أي مازلت طفلة تقريباً، ولا اعتقد أنها تمتلك أدنى فكرة عن الخلفية الدينية لعقوبة مرتكب عملية الانتحار، تماماً كما لا يعلم أبوها أو ولي أمرها البعد الديني لعملية الوأد أو القتل، وهو قد دفعها لقبر الزوج الكهل، فاختارت بدلاً منه قبر.. الأرض!!
من المسؤول عن هذه الجريمة التي تمت بحق هذه الطفلة التي مورس ضدها أقصى درجات الاضطهاد؟؟
أليس من المفترض أن يؤخذ على يد ولي أمرها ويحرم من الوصاية لأنه لم يراع حقوق الله في وصايته، وكم من جرائم نكراء بنفس الإطار تمر بنا أو نسمع بها، ويظل العرف العائلي أو الاجتماعي نطاقا كثيفا يحول بيننا وبين التحرك لحماية أرواح غضة وطاهرة ضد بشر لم يراعوا حقوق الله في أماناتهم.
فهذا العرف القبلي الذي يرزح تحت طبقات كثيفة من ركام التاريخ وندوبه وأورامه، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن التعامل مع الأنثى هنا كمقتنى كسلعة كشيء يملك الوصي كامل الحرية في التصرف فيه دون رادع أو وازع أو دون الوعي بالاستقلالية الفردية التي من الممكن أن تملكها هذه الأنثى، ككائن مكتمل الإنسانية يمتلك حق الوعي والإرادة وبالتالي خاضع لجدلية العقاب والثواب، ولا يمكن قسره بشكل وحشي كما تساق الدابة إلى مذبحها.
لربما قد تكون هذه الحادثة لا تمتلك الشمولية والعموم، وهي من الحوادث النادرة، ولكن على كل حال هي تشير إلى شريحة من المجتمع لا تخاف ربها في حق الوصاية، بل لا تستحق هذا الحق، تماماً، كالرجل الذي يضرب زوجته ضرباً مبرحاً وما سوى ذلك من أشكال العنف العائلي.
جميع هذه الحوادث التي على الغالب تظل مغلفة بغلاف من الغموض والحذر والتحسس العائلي والمجتمعي، قد آن الأوان أن تنعتق من سريتها وتعتق خلفها مئات الأرواح حبيسة تلك الظروف. والمطلوب هنا هو تطوير آلية تشريعية ترجع إلى ولي الأمر أو القاضي هذه الآلية تنتقل إلى سلطة تنفيذية تقوم بالتحرك والبت بصورة عاجلة وسريعة في مثل هذه المواضيع شديدة الحساسية وشديدة التأثير على أفراد مسلوبي الحرية والإرادة والقوة.
|