Tuesday 1st October,200210960العددالثلاثاء 24 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

النفط بؤرة الصراع في السودان النفط بؤرة الصراع في السودان
262 مليار برميل احتياطي السودان، واقتصادها يتحسن مع التصدير
مصلحة الانفصاليين مرتبطة بالشمال اقتصادياً وسياسياً.. وأي محاولات لمد خطوط أنابيب من دول مجاورة فاشلة

* القاهرة - محمد العجمي:
النفط بؤرة الصراع في السودان فقد أكد الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني الفريق محمد سليمان ان البترول ظل وسيظل الهدف الرئيسي لحركة التمرد لعرقلة مسيرة التنمية والبناء وان مخططات حركة التمرد لاستهداف مناطق البترول مرصودة وعلى الجانب الآخر اشارت مصادر الجنوب الى ان الجيش الشعبي لن يسمح بتصدير النفط الذي سيضخ أموالا جديدة في الماكينة الحربية للدولة مما سيعود بنتائج سلبية على المعارضة العسكرية، وأكد العميد عبد العزيز خالد قائد قوات التحالف السودانية عام 1999م ان زيارة وزير النفط السوداني الى الصين كانت بهدف بيع البترول مقابل أسلحة صينية وبات الامر واضحاً بين الشمال الذي يسيطر على بترول الجنوب ولا يستفيد منه ابناؤه، وبين الجنوب الذي يخشى ان يتحول البترول الى سلاح في يد الشمال يدمر الجنوبيين وبدلا من ان يتحول النفط الى وسيلة لرخاء السودان، تحول الى خراب وبؤرة صراع بين الشمال والجنوب.
فقد ظل حلم تصدير البترول يراود السودانيين لاكثر من 40 عاما حتى اصبح حقيقة وغادرت أول باخرة تحمل شحنة نفط الى العالم الخارجي وسط احتفال شعبي ورسمي ترأسه الرئيس السوداني عمر البشير الذي وعد شعبه بالرخاء والتنمية في ظل عائدات البترول ولم ينس - ليته نسي - ان يكيل الاتهامات الى المعارضة السودانية التي هددت طويلا بتدمير المنشآت النفطية وعدم السماح للحكومة بتصديره، فقد كان النفط هو السبب الرئيسي في تجدد التمرد الجنوبي عام 1983م على يد «جون جارانج» فالجنوب المنطقة الاغنى بالثروات بينما يعامل أبناءه باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية ويعتقد الانفصاليون الجنوبيون ان اغلب النفط السوداني يقع في مناطقهم وقاموا بتهديد شركات النفط الاجنبية، ونجحوا في تحقيق اهدافها فقد انسحبت شركة «شيفرون» في فبراير 1984م بعد قيام الانفصاليين بخطف وقتل عدد من عمال الشركة الامريكية، بل حال القتال الدائر في الجنوب دون تطوير آبار البترول او تصديره، وحتى لو استطاع الجنوب السيطرة على حقول البترول والانفصال عن الشمال فلن يستطيع الاستفادة من البترول على اعتبار انه سيكون دولة مغلقة، فمن الممكن ان يحصل الانفصاليون على دعم من دول اجنبية للسيطرة على منابع البترول وتكوين دولة جنوبية، ولكن عدم وجود منفذ بحري لتصدير البترول، يؤدي الى صعوبة الاستثمار في هذه المنطقة، واذا فكر الانفصاليون في انشاء خط انابيب يمر بالدول المجاورة فهذا مستبعد لاسباب جغرافية حيث ان تضاريس المنطقة تمنع بناء خط انابيب من منابع النفط في الجنوب الى البحر الاحمر عبر اثيوبيا واريتريا ولاسباب سياسية فالصراع الاثيوبي - الاريتري، وخضوع خط الانابيب لهما قد يدمر الخط اذا اختلفت المصالح، كما ان الانفصاليين اذا خططوا في مد أنابيب النفط عبر مومباسا في كينيا التي يعتبرونها صديقة لهم، فهذا الخط طويل ومكلف ولا يمكن بناؤه بسبب وجود المستنقعات، وحتى لو امكن تكنولوجياً بناء هذا الخط رغم تكاليفه الباهظة فان الدمار البيئي الذي سيسببه سيكون اكثر من الدمار البيئي الذي سببه خط انابيب «الاسكا» في الولايات المتحدة الامريكية، ولذلك فقد بات واضحا امامهم ان مصلحتهم سياسيا واقتصاديا مع الشمال وان الحل الوحيد هو بقاء الجنوب جزء من السودان بل إن على الشمال معرفة ان النزاع مع الجنوب مستمر سواء قامت الحكومة بسحق المتمردين او بمصالحتهم فخطر تفجير خطوط الانابيب سيظل قائما لانه في حالة المصالحة ستبقى بعض الفئات التي لن ترضى بهذا الصلح، ونظرا لصغرها وقلة عددها فستلجأ الى الضغط على الاطراف الاخرى عن طريق تفجير الانابيب كما يحدث الآن في العديد من دول العالم مثل كولومبيا ونيجيريا والاكوادور وبعض جمهوريات آسيا الوسطى، فقد تم تفجير خطوط انابيب النفط الرئيسية في كولومبيا 54 مرة في عام 1999م.
تحسن الاقتصاد:
بات الامر واضحا لدى الاطراف المتنازعة في السودان ان السلام هو الطريق الوحيد للاستفادة من النفط ليحقق الرخاء لكل ابناء السودان دون تفرقة، فقد ساهم النفط في تحسين الاقتصاد السوداني في وقت تصديره فقد بلغ النمو الاقتصادي 6%، وانخفض التضخم من 133% عام 1996م الى 17% عام 1997م، ويصل استهلاك السودان من المشتقات النفطية 1 ،36 ألف برميل يوميا يغطيها الانتاج المحلي البالغ 37 الف برميل يوميا من مصافي بورتسودان والابيض وابو جابرة ويتوقع ان يتحسن الاقتصاد السوداني مع الانتظام في الانتاج والتصدير ونزع فتيل الصراع حيث سيكون لها القدرة على تسديد ديونها، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط، الى جانب خفض نسبة البطالة وزيادة الخدمات الصحية واكد الخبراء ان النفط عامل مساعد على انقاذ الاقتصاد السوداني على المدى البعيد اذا ما توافرت له الظروف الملائمة لانتعاش استثماراته كما سيُعطى الاقتصاد السوداني بعض المصداقية لدى المؤسسات والصناديق المالية الدولية لتبدأ حركة الاستثمار في العودة الى السودان بعدما اتجه المستثمرون السودانيون الى خارج البلاد في ظل تردي الاحوال في السودان مما ادى الى اغلاق 90 مصنعا بسبب نقص قطع الغيار، وزيادة التضخم والضرائب الباهظة المفروضة على استيراد مستلزمات المصانع، ويطمع السودانيون انفسهم في عودة التمويلات الدولية الى التدفق مرة اخرى لبلادهم بعد ان كان قد وصل الى 30 مليار دولار عام 1989م.
ويتمتع النفط السوداني كما اكد الخبراء بجودة عالية حيث يعتبر من النوع الخفيف - 32 درجة او اعلى - الخالي من الكبريت كما يتمتع بانسيابية عالية لكونه شمعيا مما يسهل نقله عبر الانابيب في الحالات العادية، وان كان يصعب في فصل الشتاء مما يتطلب اعادة تدفئته لتسهيل انسيابه عبر الانابيب، كما ان تكلفته منخفضة نسبيا حيث تبلغ تكلفة انتاج البرميل اربعة دولارات امريكية.
ويصل الاحتياطي بالسودان الى 1 ،262 مليار برميل تنتج منها 160 الف برميل يوميا وهذا ما جعل السودان تأمل في انضمامها الى الاوبك وهو امل صعب المنال لضعف امكاناتها امام دول الاوبك ولكن املها في الدخول الى منظمة الدول العربية المصدرة للنفط «الاوابك» سهل المنال، واصبح النفط موطن الصراع هو المنقذ الوحيد للسودان للخروج من دائرة الفقر فهي بلد غني بمواردها الطبيعية وثرواتها المعدنية والحيوانية، واراضيها الشاسعة القابلة للزراعة ومقوماتها السياحية وثرواتها السمكية الا انها وبالرغم من كل ذلك تعد من أفقر دول العالم.
قصة النفط في السودان:
بدأت محاولات استكشاف النفط في السودان عام 1959م، وكانت شركة «اجيب» الايطالية هي اول شركة نفط تحصل على امتياز الاستكشاف في ساحل البحر الاحمر، وتم حفر ست آبار تجريبية ولم يتم العثور على شواهد بترولية مشجعة تجاريا، وفي عام 1967م تجدد الامل مع شركة «دقنة» وهي شركة امريكية كويتية قامت بالتنقيب عن النفط في مساحة 11 كيلو مترا مربعا على شاطىء البحر الاحمر، وحصلت شركة «شل» على امتياز البحث في شمال السودان، وشركة «كونتنسال» الامريكية حصلت على تراخيص لعمل مسوح جوية في الصحراء الشمالية الغربية، ولم تؤدِ محاولات هذه الشركات الى نتيجة فقد انحصرت اعمالها على اجراء المسوحات الجيولوجية، والجيوديسية والطبوغرافية والمغاناطيسية والزلزالية، مما ولد اعتقادا بعدم وجود بترول في السودان كما ان هذه الشركات اقتصرت على المناطق الساحلية دون التوغل في المناطق اليابسة في الجنوب لقسوة الاحوال الطبيعية، ومشقة السفر بالاضافة الى ان السودان لم يكن متحمسا وقتئذ لانتاج النفط فقد كانت اسعاره اقل من سعر سلع كثيرة كالقطن مثلا، وكان طلب السودان على النفط متواضعاً.
وفي مطلع السبعينات عملت حكومة السودان على تشجيع شركات النفط وهو ما دفع العديد من الشركات الامريكية والسويدية والكندية والايطالية الى الاستثمار في السودان، فقد حصلت شركة «شيفرون» الامريكية على امتياز البحث عن البترول عام 1975م في الجنوب، ثم جاءت شركات «توتال» الفرنسية و«تكساس» الامريكية مع بداية الثمانينات وتم اكتشاف اول كمية تجارية من البترول بمقدار 500 برميل يوميا في منتصف عام 1979م، وبدأ التفكير في انشاء خط انابيب لنقل الخام الى ميناء بورتسودان ولكن تدخلت الحرب الاهلية في عام 1983م لتفشل طموحات الحكومة السودانية التي أرادت ان تنشىء مصفاة في الشمال وهو ما جعل شركة «شيفرون» تقوم بتصفية اعمالها بعد تعرضها لهجمات من قبل الحكومة الشعبية لتحرير السودان.. وقد جاء انسحابها بعد ان اعطت للادارة الامريكية في اوائل الثمانينات معلومات ثمينة عندما كانت تقوم بعمليات التنقيب في حقول بترولية في مناطق بنتيو، في جنوب وسط السودان واستمرت في الحفر من الستينات حتى منتصف الثمانينات حتى صدرت اوامر امريكية انسحبت على اثرها شركة «شيفرون» عام 1985م بعد ان ردمت ما تم اكتشافه دون ان تبلغ الحكومة السودانية بهذه الاكتشافات وتوقفت حركة الكشف عن البترول حتى بداية التسعينات عندما جاءت شركة «اراكس» الكندية لتبحث عن البترول في نفس الاماكن لتكتشف حقلين للبترول كانا يضخان الفي برميل يوميا ثم اصبحا يضخان مائة وخمسين الف برميل عام 1999م ليكفي الاستهلاك المحلي ويوفر على السودان مائة مليون دولار سنويا كانت تنفق في استيراد البترول، ثم تم اكتشاف الحقول التي ردمتها شركة شيفرون قبل انسحابها، وتوالت الشركات السويدية والكندية والصينية في البحث عن البترول ومخاطبة الحكومة السودانية التي سخرت كل امكانات جيشها في حماية حقول البترول وقمع المتمردين الذين لم يتفقوا على تدمير انابيب البترول حتى جاءت اتفاقية ماشاكوس وظن البعض انها ستنهي الصراع الدائر في السودان ولو لفترة الا انه لم تمر ايام على الاتفاقية إلا وقامت قوات جون قرنق في اغسطس الماضي بالاستيلاء على مدينة توريت الاستراتيجية وثاني اكبر مدن ولاية شرق الاستوائية وبعد مدينة كوبويتا التي تبتعد 80 كيلو مترا فقط عن الحدود مع كينيا ليظهر الهدف الرئيسي لحركة الانفصاليين وهي السعي نحو السيطرة على مناطق البترول ليجسد كل ذلك الحقيقة الواقعية وهي ان النفط موطن العذاب وبؤرة الصراع في السودان.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved