* القاهرة - مكتب الجزيرة - طه محمد:
عامان بالتمام و الكمال هما عمر الانتفاضة الفلسطينية الباسلة يواجه خلالهما الشعب الاعزل آلة عسكرية احتلالية غاشمة تمارس ابشع انواع العنصرية وسط صمت عالمي غير مسبوق و يقول عن نفسه انه عالم متحضر.
«الجزيرة» تناقش في هذا التحقيق مع عدد من الخبراء الدور الذي لعبه الإعلام العربي ازاء الانتفاضة الثانية طوال العامين الماضيين فضلا عن التأثير الذي تحدثه الانتفاضة في النفوس والدور المطلوب من الإعلام العربي لجعل الانتفاضة متوقدة في الاذهان والقلوب كما كانت في مهدها يوم 28 سبتمبر 2000 انطلاقا من الدور المهم الذي يلعبه الإعلام في انعكاس واقع الأمة. ولا يختلف الخبراء في ضرورة ان يرقى الإعلام العربي إلى مستوى الاحداث المتصاعدة ولا يكون تعامله معها بشكل متذبذب صعودا و هبوطا. والا تحركه في هذا الاطار عواطف واتكالات على المتابعة من الإعلام الغربي بل عليه ان يكون صادقا مع الحدث و ليس فقط ناقلا له.
تغطية اعلامية
في البداية وكما يقول صفوت الشريف وزير الإعلام المصري انه اذا كانت هناك جوانب تقصير في تغطية الإعلام الغربي للاحداث في الاراضي الفلسطينية المحتلة الا ان الإعلام العربي استطاع ان يتعامل مع القضية في كل مراحلها المختلفة من عودة السلام و عودة الارض التي صاحبت عودة الرئيس ياسر عرفات إلى غزة ليقيم السلطة الفلسطينية لتعزيز عودة ووحدة الضفة الغربية ويضيف: مازلت اذكر هذه الايام التي تعزز فيها الدور الإعلامي العربي وما رأيته على الشاشات العربية من حضور للشعب الفلسطيني ثم كانت مرحلة الانتكاسة وما قبل الانتفاضة وما صاحبها من مفاوضات فاشلة وما حملته من تسويف وتضليل خلال المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطيني باعتبارها ممثلا عن الشعب الفلسطيني وكان الشعب العربي كله أمل في مفاوضات ناجحة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وكانت هذه احدى مراحل العمل الإعلامي تجاه القضية وينتقل الشريف إلى مرحلة تالية وهي ما قبل الانتفاضة ثم مرحلة الانتفاضة نفسها والاثر الكبير لهما في نظر المحللين السياسيين والإعلاميين . وما تلا ذلك من مرحلة صعبة باجتياح إسرائيل لاراضي الضفة وانحراف عن كل الموازين والمعايير وكان ذلك بداية جديدة في مرحلة صمود الشعب الفلسطيني وكان من جراء استعراض الشريف للمراحل السابقة ان يصل إلى التأكيد على ضرورة ان يقف المحللون لمراجعة المخطط الإعلامي العربي ليضعوا انفسهم على الطريق الصحيح بتقليص السلبيات و تعزيز الايجابيات.
ويقول ان الشاشات العربية و الاذاعات والمواقف كلها توحدت لتعكس و تكشف بصدق كل الممارسات العدوانية ضد الفلسطينيين من دون تزوير و على الرغم من قوة الالة الإعلامية التي تعمل وتؤثر فيها الحركة الصهيونية والتي تلعب اصابع إسرائيل فيها دوراً كبيراً إلا ان الإعلام العربي استطاع كشف الحقيقة امام الشعب العربي والرأي العام العالمي فكانت غضبة الشعب العربي مسموعة في كل العالم. وعلى وجه التحديد الدول الاوروبية لينجح الإعلام العربي في التأثير في الشارع الغربي.
و يضيف: ان الفضائيات العربية بحكم تمتعها بالامكانيات المادية والفنية والكوادر الاعلامية قادرة على ابراز حق الشعب الفلسطيني من خلال خطاب واعٍ مدرك لمفردات الاخرين ولمخاطبتهم بلغتهم ومفهومهم والوصول إلى اسماعهم وان نتجنب بث الفرقة في الصف العربي.
استغلال الاحداث
ومن جانبها ترى الدكتورة درية شرف الدين - رئيسة القطاع الفضائي المصري- ان الإعلام العربي مطالب باستغلال الاوضاع الجارية حاليا في الاراضي المحتلة لأن الرأي العام الإسرائيلي يمر بفترات ضعف منذ اندلاع الانتفاضة الثانية حيث يشعر بفقدان الأمن وتضيف: لذلك يجب على الإعلام العربي ان يبرز ان المسئول عن عدم توفير الامن لهم هو الحكومة الإسرائيلية التي ارادت ان تشعل النار وتقضي على الاخضر واليابس ففتحت على نفسها رغبة حقيقية لدى كل مواطن فلسطيني في الدفاع عن ارضه و نفسه واهله بمختلف الوسائل التي منحتها له جميع الاعراف و المواثيق الدولية بمقاومة الاحتلال.
وتنتقد غياب العمل العربي الموحد حيث ظهر خطاب إعلامي مشتت عن مواجهة التحدي الإسرائيلي الأمر الذي يتطلب تغييرا للصورة في الداخل حتى يمكن من خلال التوحد في خطاب إعلامي ابراز الحق الفلسطيني والعربي في الاراضي العربية على ان تشترك فيه الدول العربية وليس اعلاما منفردا لان العدو الذي يواجهه عدو قوي لا يعرف سوى التزييف والصوت العالي .
الانتفاضة ... عزة نفس
و يؤكد الدكتور عبد القادر حاتم - رئيس حكومة حرب 73 - ان الانتفاضة الفلسطينية حركت في النفوس معاني جمة واحاسيس كدنا نفقدها أو افتقدناها بالفعل عقب حرب 73 . وهي روح الصبر والمقاومة والعزيمة والدفاع عن الارض والعرض والكرامة.
ويقول : ان الانتفاضة تؤكد من جديد ان هذه النفس رخيصة ما لم تقاوم وتثأر من المغتصبين و المحتلين العنصريين الذين ملأوا الارض الطاهرة في فلسطين دماء زكية واوقعوا على ترابها الطاهر - ايضا - جرحى ومشردين من النساء والأطفال على السواء.
ويضيف: الانتفاضة حركت في النفوس الشعور بالعزة والنصر وان الحجر الذي يقاوم به الفلسطينيون اقوى من طائرات ال ف 16 أو طائرات «الاباتشي» بل اقوى من التآمر الدولي واثبتت انها قادرة على الصمود والتحدي من اجل النصر ودحر الاحتلال ليس فقط من اراضي السلطة الفلسطينية ولكن من خارج القدس التي لن يكون فيها سيادة الا للفلسطينيين والعرب والمسلمين.
ويشير إلى ان الانتفاضة احدثت ارتباكا في نفوس «الإسرائيليين» للدرجة التي جعلت هذا المجتمع «الإسرائيلي» يعيش حالة من الخوف والاضطراب والرعب والقلق منذ اندلاعها قرابة العامين وان كنت ارى - كما يقول د.حاتم - ان الانتفاضة ليست وليدة هذه المرة ولكنها وليدة العام 1948 عندما احتل «الإسرائيليون» أرض فلسطين فكانت شرارة الغضب التي انطلقت لترجم المحتل الغاصب بحجارة من نار وارعبت من يساند العدو ليس هذا فقط بل افقدته توازنه عندما وصفها بانها ارهاب وان ما يقوم به هذا المحتل هو دفاع عن النفس وهذا خداع مكشوف للعالم كله.
أهدافها ... الارادة و التحدي
اما امين بسيوني .. رئيس اللجنة الدائمة للإعلام العربي بالجامعة العربية- فيؤكد ان الانتفاضة تعلم النفوس الارادة والتحدي وان العزيمة هي اقوى من أي سلاح آخر والدليل على ذلك - كما يقول - ان جيش الاحتلال لا يخشى قوة على الارض مهما تعاظمت أقوى من قوة الحجر الصغير والذي ادى إلى احداث خلل توازن القوى ويقول: ان الانتفاضة اعطت احساسا في النفس - لكل من له جانب انساني - ان اصحابها ارهابيون كما تصفهم دولة كبرى مثل الولايات المتحدة. ولذلك من الضروري دعم كفاح هذا الشعب واستبساله حتى يتحقق له النصر. وهو آت لامحالة وربما يكون في القريب العاجل.
ويضيف بسيوني ان الانتفاضة ينبغي ان تكون دافعا لكل من هو عربي أو مسلم أو إنسان ان يتفاعل معها ويعمل على دعمها ونصرة تلك القضية الإنسانية العادلة التي قامت من اجلها لذلك لم يكن غريبا ان يتجاوب معها دعاة الحق ويؤازر الفلسطينيين أصحاب القيم الإنسانية في عناصر المصلحة فاتهموا الانتفاضة بانها ارهاب وان قمعها هو دفاع عن النفس ويشير إلى ان النفس التي لا يتحدثون عنها هي التي تزهق الان و اصحابها شهداء في ارض فلسطين بمدن «الخليل ونابلس وجنين ورام الله وبيت لحم وغزة».
اما النفس الاخرى التي يتحدثون عنها فهي النفس الاثمة التي تمارس الاجرام والتشريد والقتل على اوسع نطاق لم تعرف البشرية له مثيل في الوقت الذي يدعي فيه عالم اليوم انه عالم متقدم ويسعى لنشر العدل بين جنباته ويؤكد بسيوني ان الانتفاضة تعلمنا التضحية لان النفس رخيصة امام الكرامة والارض والعرض و هو العنصر الذي تفوق به الفلسطينيون امام اعدائهم . وهم يملكون احدث الاسلحة والمعدات بتأييد أمريكي واسع النطاق.
|