Wednesday 11th September,200210940العددالاربعاء 4 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

2/7/1388هـ 24/9/1968م العدد 213 2/7/1388هـ 24/9/1968م العدد 213
قصة قصيرة
صدى
بقلم : عبدالواحد خالد الحميد

في ليلة من ليالي الصيف.. بينما كان الليل مخيماً بردائه الأسود على القرية والسماء صافية تتخللها نقط كروية متلألئة.. والسكون الرهيب شامل القرية.. يقطعه أزيز الصراصير..
والناس.. كل هاجع في مخدعه والسواد الأعظم منهم هرع إلى البطاح والخلاء ملتمساً الهواء البارد.
والشيخ علي مستلق على مخدعه.. كان النوم قد جفاه وأصابه الأرق، وأخذ يحرك عينيه ذات اليمين وذات الشمال.. والذكريات تمر أمام مرآه وكأنها شريط سينمائي..
انه يتذكر انين الساقية التي بح صوتها، وكأنها قد أصابها التعب والسأم كما أصابا علياً.. وانه ليتذكر حين كان يحث دابته على الجد بالسير لتخرج الماء من البئر سريعاً وينتهي العمل لينام، انه ليتذكر كل ذلك، ويتذكر جيداً حين كان يقول: يا لقسوة الحياة حتى في الهزيع الأخير من الليل لا استريح.. بل أكدح وأعمل..
وانه ليتذكر حين يفلت الحبال من ظهر دابته معلناً انتهاء العمل وبدء النوم.. ما ألذ هذه الذكريات.
. وان عليا ليطلب المزيد من هذه الذكريات.. ذكريات الصبا والشباب.. ويا لها من ذكريات تثلج صدر علي وتدخل الغبطة والسرور في نفسه.. كل شيء أمام مرأى علي يثير شجونه، حتى تلك النقط الكروية المتلألئة تثير شجونه وأحاسيسه..
نعم.. انها لتذكره حين اهتدى بها إلى قريته في تلك الليلة العاصفة من ليالي الشتاء القارس البرد.. يتذكر حين حرنت دابته، بينما كان قادماً من البراري ليجمع الحشائش لدوابه.. وأخذ يحثها على المسير، ولكن دونما فائدة.. حتى إذا ما أقبل الليل بسواده الرهيب.. استأنفت مسيرها، واعرضت عن اصرارها على رفض المسير..
بيد ان التعب والبرد كانا قد اقعدا علياً طريح الأرض لا يعي ما حوله.. وبعد امد غير بعيد.. وجهد جهيد نهض وهو يشعر بدوار افقده تمييز الجهات الأربع، فلم يعد بوسعه تعيين جهة الشمال التي يقطنها أهله، وتربض فيها قريته..
ولكن.. تتبادر إلى مخيلته تلك القصص التي كان مسمعه يتلقفها من أصدقاء والده والتي فحواها ذلكم النجم الواقع صوب الشمال الذي طالما انقذ العديد من الرحل.. المسمى بالنجم القطبي..
فيرفع بصره عالياً ويحدق بالسماء منقباً وباحثاً عن ذلك النجم إلى ان يهتدي إليه، فيمسك بزمام دابته سائراً على هديه حتى إذا وصل إلى قريته ووقف بباب بيته وولج داخله.. فإذا العيون الساهرة تنتظر مقدمه بفارغ الصبر.. عين أمه وأبيه.. لقد فارقهما الكرى مخافة إصابة ولدهما بمكروه!!
يتذكر هذا وذاك.. ويعيش هذه الأحداث كل ثانية.. التي لم يبق إلا صداها.. ودون ايما شعور تسبل عيناه.. ويغط في سبات عميق.

(*) الجوف

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved