Thursday 1st August,200210899العددالخميس 22 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

عرفنا شارون فماذا عن البقية؟ عرفنا شارون فماذا عن البقية؟
د. سعد البازعي

حاجتنا إلى معرفة الآخر، سواء كان عدواً أو صديقاً، حاجة قائمة وملحة، ولكنها لا تقارن بحاجتنا إلى معرفة أنفسنا، فهذه المعرفة للنفس تأتي أولاً لأنه من غير الممكن للإنسان أن يعرف غيره إن لم يكن يعرف نفسه، وأقصد بالمعرفة ما تحقق فيه ثلاثة شروط: التقصي والشمول والشجاعة، أي المعرفة التي لا تقف في منتصف الطريق وتسعى إلى تجاوز الجزئيات، ثم لا تخشى مواجهة العيوب وكشفها، فإن وجدت قوة عززتها وإن وجدت ضعفاً ابرزته وسعت إلى تلافيه.
لكن مقارنة هذين النوعين من المعرفة تؤكد أن الأولى، أي معرفة العدو أسهل لا من حيث اليسر أو سهولة المتناول، وإنما من حيث الشجاعة، فمن بين الصفات الثلاث التي ذكرتها قبل قليل للمعرفة، التقصي والشمولية والشجاعة، تبدو الأوليان أسهل بكثير من حيث الإمكانية اللوجستية، كما في المصطلح العسكري، أي من حيث توظيف الإمكانات في ميادينها المناسبة موزعة ومستعدة، فمن غير الصعب إقامة مراكز البحث وإعداد الباحثين وتوفير المال، ثم إعداد البرامج للبدء، ليكون هدف العمل هو دراسة الثقافات الأخرى بشعوبها وأنظمتها وتاريخها إلى غير ذلك، ومع أن مثل هذه المراكز ما تزال بكل أسف ضعيفة الحضور في بلادنا العربية، بل وفي العالم غير الغربي بأكمله قياساً إلى ما يتوفر في الغرب من مراكز بحثية لا هم لها سوى دراستنا تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، فإن إقامتها وتنفيذ أهدافها أسهل بكثير إذا ما قيست بالمؤسسات البحثية المقابلة، أي تلك التي يمكن أن تعنى بدراسة الذات، أي بدراسة واقعنا وتاريخنا ومستقبلنا.
المشكلة في حالة المعرفة الأخيرة هذه ليست في الإمكانات أيضاً بقدر ما هي في العنصر الثالث من عناصر المعرفة، الشجاعة. فمن الممكن، مثلاً، أن نقوم بدراسة مجتمعاتنا، لكن هل لدينا الشجاعة على دراسة كل ما يتصل بتلك المجتمعات من مشاكل، وإن قمنا بتلك الدراسة هل لدينا الشجاعة أحياناً على نشر ما نتوصل إليه ليصير موضوع معرفة عامة ومناقشة مفتوحة؟ إنني شخصياً أعرف أبحاثاً أجرته مراكز بحثية في مجتمعاتنا، ثم جاء من يوجه بعدم نشر تلك الأبحاث، مع أنها تتصل بمشكلات اجتماعية ملحة، ظاهرة الطلاق مثلاً، وما تزال تلك الأبحاث حبيسة الأدراج، ولعل الكثير منها فقد قيمته بمرور الوقت وتغير الظروف. هناك من يخشى المعرفة! ومن منا لا يخشى نوعاً من أنواع المعرفة؟ لا يخشى انكشاف سر أو تسرب معلومة؟
لكن لماذا يخطر هذا الموضوع ببالي هنا؟ إنه موضوع مقالة الأسبوع قبل الماضي، حين استعرضت مقالة حول «البلطجة» في الثقافة اليهودية، فقد قدمت تلك المقالة على أنها نوع من المعرفة بالعدو نحتاج دائماً إلى الاهتمام به وتطويره، ولكن كان ينبغي لتلك المقالة أن تثير في الذهن سؤالاً مقابلاً عن حالة المعرفة بالذات، بالمشكلات الداخلية التي تتصل لا بالثقافة اليهودية أو الغربية وإنما بالثقافة العربية، ماذا عنا نحن؟ إذا كان لدى اليهود افتتان بالبلطجة بالقوة الغاشمة والتسلط، فهل في ثقافتنا نحن ما يشبه ذلك؟ أكاد أسمع إجابة الكثيرين بالنفي، وقد تكون هي الإجابة الصحيحة فعلاً، لكن ألا ينبغي أن تصدر تلك الإجابة بعد ترو، بعد بحث، واستقصاء شمولي؟
لو أجبت بنعم أو لا هنا فسأكون أول من يخالف ما أقترحه من تأن في الإجابة، لكن الإجابة عن أي سؤال، تبدأ عادة بتهويمة فكرية، بظنون، بمقترحات، ليأتي بعد ذلك دور التأمل الطويل والدراسة، وما يمكن أن تطرحه مقالة صحفية عجلة وقصيرة لا ينبغي أن يدعي أكثر من ذلك. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن شخصية الطاغية الجبار، أو «البلطجي» بالتعبير الدارج، شخصية شائعة في مختلف الثقافات الإنسانية، ولا أظن أن هناك حاجة لمراكز بحث أو جهود باحثين لاكتشاف ذلك، يكفي أن نتلفت هنا وهناك في واقعنا اليوم، أو نطل إطلالة قصيرة في دهاليز التاريخ لنكتشف ما يروعنا من شخصيات تركت حولها الكثير من الدماء والدمار إما رغبة في سلطان أو حرصاً على مال أو غير ذلك من أهداف: رمسيس الثاني، هولاكو، هتلر، موسوليني، ستالين، ماوتسي تونغ، إلى نهاية الطابور الطويل. وقد يختلف البعض في مشروعية إضافة اسم أو آخر، لكن الاختلاف لن يكون كبيراً، وقد يمكن حله دون مشاكل.
المشكلة ستكون عند محاولة إضافة أسماء عربية إلى القائمة، سواء كانت قديمة أم حديثة، فدون بعض ذلك خرط القتاد كما يقولون «والقتاد بالمناسبة شجر صلب له شوك كبير يصعب خرطه أو إزالته دون جروح». لذا، واحتراماً للمشكلات التي قد تنجم عن «الخرط» المشار إليه، فسأكتفي بما في ذاكرة القارئ من أسماء قد يكون بعضها متوهماً، لكن الاكتفاء بحد ذاته هو ما يؤكد الأطروحة الأساسية في بداية هذه المقالة وهي أن معرفة الذات أصعب. فليس أسهل من كشف أمر شمشون أو شارون وإثبات أنهما بلطجية، على طريقة النكتة المعروفة حول الروسي الذي أراه المواطن الأمريكي سهولة شتم الرئيس الأمريكي أمام البيت الأبيض، فلما ذهب الاثنان إلى موسكو أراد الروسي أن يريه إمكانية عمل الشيء نفسه، فوقفا أمام الكرملين وبدأ صاحبنا الروسي بشتم الرئيس الأمريكي.
المشكلة هي مشكلة الروسي الذي افتقدت بلاده المعرفة النقدية الشجاعة بنفسها فلم يستطع أكثر من التجرؤ على عدوه، لكننا سنبالغ لو قلنا إننا نفتقر تماماً إلى المعرفة النقدية الشجاعة بأنفسنا، فثمة قدر من تلك المعرفة دون شك، لكنه ليس القدر الكافي الذي نطمح إليه، كما لا ينبغي أن نحدد المعرفة أيضاً بما هو سلبي أو مشين، لأن حدود المعرفة أكبر، ولكن اتجاه التفكير إلى السلبي أو المشين حين الحديث عن صعوبة المعرفة ناتج عن صعوبة تلك المعرفة سواء من حيث الوصول إليها أو من حيث إفشاؤها. ومع ذلك فإن من المعرفة الإيجابي ما يصعب إفشاؤه، وأقصد ما يتصل بالعدو أو الآخر المغاير تماماً. فليس من السهل على النفس أن تعترف بمزايا العدو، وإن اعترفت بشيء من ذلك فإنه غالباً ما يكون لمصلحة ذاتية، أي أن تكون تلك المعرفة مفيدة في معركة مع منافس ينتمي إلى نفس المجتمع أو الثقافة. فقد أثني على العدو أو الآخر المضاد على نحو يساعدني في معركة مع منافسين لي، كأن أبرز حرص الناس في المجتمع المختلف أو المعادي على احترام التعددية في الرأي ولا أكون بذلك أقصد الثناء على ذلك المجتمع، وإنما لوم فئة من مجتمعي لا تحترم تلك التعددية وحثهم على فعل الشيء نفسه، أما ما عدا ذلك، كأن نقرأ مديحاً لعدو «شارون أو غيره» فإن من غير السهل تقبل ذلك، بل الأقرب هو المسارعة إلى إثارة الأسئلة والشكوك حول من يقدم تلك المعرفة وما يرمي إليه من أهداف بعيدة. ولصعوبة الوصول إلى تلك المعرفة قدرت العرب قديماً الشهادة بالفضل حين تأتي من عدو:
«والفضل ما شهدت به الأعداء».
لقد حرصنا كثيراً في الثقافة العربية المعاصرة على التعرف على كل ما يتضمن ثناء علينا في نتاج الآخرين، فكنا نسارع إلى ترجمته، كما فعلنا بكتابات المستشرقة الألمانية هونكة التي لا تكاد تجد مقالة أو كتاباً عربياً حول الاستشراق لا يشير إلى كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب»، وقس عليها الكثير من كتابات غوته وغيره، مالم نفعله بشكل كاف هو التعرف على ما لا يعجبنا، فمع التسليم بأن في ذلك الكثير من الادعاء والافتراء، فإنه لا يمكن أن يخلو تماماً من الحقائق أو النقد الذي يمكن أن يفيدنا، لكن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى الكثير من الانفتاح في الأفق والتسامح في التعامل مع الآخرين، وهو ما يبدو أننا بحاجة إلى مزيد من الوقت للوصول إليه.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved