* حوار - علي سعد القحطاني:
في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي عندما قام عدد من المستشرقين بزيارات متعددة الى الانحاء الشمالية من الجزيرة العربية ومنطقة الشام عثروا على عدد من النقوش النبطية، تبين من خلال دراستها أنها الأصل لمولد الحرف العربي.. وقد قمنا باستضافة الدكتور مشلح بن كميح المريخي أستاذ الكتابات الاسلامية المشارك بقسم الآثار والمتاحف بكلية الآداب/ جامعة الملك سعود، وقد تحدث الينا عن كيفية التوصل الى معرفةالخط العربي وتطوره، ومن أين جاء الخط العربي، وكيف نشأ وتطور.
والدكتور المريخي حصل على درجة الماجستير من جامعة مانشستر عام 1000م كما حصل على درجة الدكتوراة من جامعة مانشستر، وهو عضو في عدد من الجمعيات العلمية المحلية والعربية والدولية، وله أبحاث ومؤلفات في الخط العربي والكتابات الاسلامية والبرديات.
* كيف توصلنا لمعرفة نشأة الخط العربي وتطوره؟
- تم ذلك من خلال دراسة وتحليل ومقارنة أشكال الحروف فيما يطلق عليها الآن النقوش العربية المبكرة، وقد تم ذلك في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي عندما قام عدد من المستشرفين بزيارات متعددة الى الأنحاء الشمالية والشمالية الغربية من الجزيرة العربية ومنطقة الشام وعثروا على عدد من النقوش النبطية تبين من خلال دراستها وتحليلها أنها الأصل الذي انبثق منه قلمنا العربي.
* هل لنا بمعرفة هذه النقوش، والفترات الزمنية التي تعود لها؟
- النقوش العربية المبكرة في مجملها تنحصر ما بين أواسط القرن الثالث الميلادي وأواسط القرن السادس الميلادي، وهي:
1- نقش رقوش بمدائن صالح «مؤرخ في سنة 267م».
2- نقش أم الجمال الأول «250- 270م».
3- نقش النمارة «328م».
4- نقش وائل بن الجزار «410م».
5- نقش سكاكا 1 «القرن الخامس الميلادي».
6- نقش سكاكا 2 «القرن الخامس الميلادي».
7- نقش زبد «512م».
8- نقش جبل اسيس «528م».
9- نقش حران «568م».
10- نقش أم الجمال الثاني «القرن السادس الميلادي».
* لماذا يعتمد على النقوش الكتابية العربية القديمة لمعرفة بدايات الخط العربي؟
- تعد النقوش العربية المبكرة المصدر الوحيد والأساسي الذي يعتمد عليه في تتبع نشأة الخط العربي ومراحل تطوره، وهي وثائق حسية ملموسة أصلية لم تطلها أيدي النساخ بزيادة أو نقصان أو تصحيح. فمن هنا تنبع أهميتها، فضلا عن أنها من المصادر التي يصعب الطعن في قيمتها، أو التشكيك في صحتها وأصالتها. وعن طريقها تمكنا من معرفة جذور الحرف العربي، ومراحل تطوره، ومن أين أشتق، وكيف نشأ، وكيف تطور.
* من أين جاء الخط العربي، وكيف نشأ وتطور؟
- الخط العربي اشتق وانبثق من الخط النبطي، وهذه قضية قد حسمت بشكل لا مجال للشك فيه، وهي نظرية مقبولة عالميا من قبل كافة المختصين، وقد حسمت هذه القضية منذ بدايات القرن التاسع عشر الميلادي. وقد تمكنا من معرفة ذلك عندما تم العثور في القرن التاسع عشر الميلادي على عدد من النقوش النبطية، وبعد دراستها وتحليلها ومقارنتها تبين أنها تمثل بدايات الخط العربي. بيد أن لي رأي متواضع في هذا الجانب، يغاير ما هو سائد لدى كثير من المختصين طيلة القرن الميلادي الماضي ووقتنا الحاضر، وهو ان كافة النقوش العربية المبكرة التي عول عليها في دراسة نشأة الخط العربي لا تمثل في حقيقة الأمر النشأة بقدر ما هي مرحلة متقدمة من مراحل تطور الحرف العربي. ومن وجهة نظري ان اقتصار الدراسات السابقة على عدد محدود جدا من النقوش التي تنحصر بدورها ضمن فترة زمنية قصيرة ومحدودة لا تتعدى ثلاثة قرون «تبدأ من أواسط القرن الثالث الميلادي حتى أواسط القرن السادس الميلادي»، كل ذلك قد شكل عائقا حال دون ادراك جذور الحرف العربي، ومعرفة المراحل التي قطعها الى ان أصبح مع مطلع القرن السادس الميلادي نظاما كتابيا عربيا صرفا ذا خصوصية مستقلة. لذلك - فبرأيي - أن أي دراسة تهدف الى معرفة جذور الحرف العربي؛ ومن ثم تتبع مراحل تطوره، لن تخرج بالنتائج المرجوة منها ما لم تعتمد في ذلك على محورين رئيسيين: احداهما، الاعتماد بشكل كبير ودقيق على دراسة أشكال الحروف «دراسة باليوغرافية»، والآخر، التركيز على دراسة البرديات والنقوش النبطية التي تعود الى ما قبل فترة النقوش العربية المعروفة، وبعبارة أخرى، العودة لتلك البرديات والنقوش النبطية التي تعود الى القرنين الأول والثاني الميلاديين على وجه الخصوص.
* لماذا البرديات والنقوش النبطية العائدة للقرنين الأول والثاني الميلاديين تحديداً؟
- يرجع ذلك لسببين: أولهما، بديهي، وهو ان الكتابة النبطية هي الأصل الذي تفرع منه الخط العربي، والسبب الثاني، هو توفر المادة العلمية المكتشفة من البرديات والنقوش النبطية التي تعود الى القرنين الأول والثاني الميلاديين، وهي قريبة الشبه - إن لم تطابق - في أشكالها وهيئات حروفها الكتابية حرفنا العربي، فضلا عن ذلك فان النقوش العربية المبكرة التي تعود للقرنين الثالث والرابع الميلاديين وما تلاهما من قرون هي نقوش تثبت عروبتها من الناحية الخطية، وهي تمثل - كما أسلفت - مرحلة متطورة من الكتابة العربية. وهذا بدوره يقودنا الى سؤال يفرض نفسه هنا، هو، هل ظهرت هذه الكتابات العربية المعروفة فجأة؟ أم أنها لابد وأن تكون مسبوقة بارهاصات أولية مهدت لهذا التطور؟
* أنت هنا تطرح رأياً جديداً يخالف الرأي السائد القائل بأن الخط العربي بدأ منذ منتصف القرن الثالث الميلادي؟
- نعم، أولا - وكما أسلفنا - فان النقوش العربية المبكرة التي عوّل عليها طويلا لا تمثل إلا مرحلة من مراحل تطور الحرف العربي. ثانيا، ان من ينعم النظر في البرديات والنقوش النبطية العائدة للقرنين الأول والثاني الميلاديين يتبين له بوضوح ان الكتابة النبطية - وهي الأصل الذي انبثق منه حرفنا العربي - بدأت منذ مطلع القرن الأول الميلادي تسير باتجاهين رئيسين، فبينما حافظ الاتجاه الأول على هيئة الحروف النبطية المعروفة، والتي استمرت على هذه الشاكلة حتى نهاية القرن الرابع الميلادي، بدأ الاتجاه الثاني ينحى منحى جديداً يمثل نمطا كتابيا يتضمن أشكالا محورة من الحروف النبطية تنبئ بميلاد خط جديد، عرف فيما بعد بالخط العربي، واستغرقت رحلة هذا الاتجاه الثاني قرابة خمسة قرون من التطور الى ان أصبح نظاما كتابيا مستقلا في مطلع القرن السادس الميلادي.
|