في حالات كثيرة تتطوع المفاجأة لتفرض شعوراً جديداً يحتل الجسد كله إما بطريقة الاجتياح أو بسياسة الخطوة خطوة..
والحادثة عند تكرر وقوعها مع التغيير فقط بالأبطال إن شئت أو الضحايا كما يمكنني أن أسميهم، لا يمكن تسميتها بمفاجأة، فقد أضحت بحكم المتكرر بمعنى آخر بدأ الفرد أو الناس التعود على سماعها ويبدو أنهم أيضاً اعتادوا على ردة الفعل تجاهها.. ولعل هذا هو التفسير المنطقي لامتشاقي صهوة قلمي وتجريده للكتابة عن ذلك القلم الممدد على سرير الحياة.. يحارب الموت بمجداف تكسر. وهو يصارع بمعارك الأدب والثقافة عبر أكثر من عشرين عاماً.
تخصيص الجزيرة لمساحة عزيزة ومشرقة للحديث عن الفارس الأسمر «فائز محمود أبا» جعلني أجتر بعض لحظات الإبداع التي جمعتني به.. واكبر للزملاء بالشؤون الثقافية وقفات الوفاء المتلاحقة التي نلمسها بين الحين والآخر.
استذكار المبدعين بعد سقوطهم على فراش المرض أو رمسهم بآخر منزل يسكنه الفتى أضحى قاعدة نمارسها عند تكريم المبدعين، وليتنا عندما نستذكرهم نقدم ما يجلو الصدأ ويبعد كثبان الأتربة عن جفاء الماضي وتناسي آهات أولئك المتيمين بحب الوطن المترجمين لهذا الحب عبر أنهر الإبداع المختلفة ليكونوا بالنهاية الأصابع التي يتعامل معها التاريخ وهو يشير لهذه الأرض وهذا الإنسان وهذا ما عناه أستاذنا الدكتور/ سعد البازعي، في عنونة مقاله الذي لا يرثي فيه فائزاً بل كل المتيمين بالمعنى من تبتعد مواهبهم عن نجومية القدم وبريقها..
الكثير يتمنى لو أن ما في رأسه من مخزون ومحطات إنذار تتدحرج وهو نائم إلى قدميه لتبصر الكورة فلا حاجة له ببصيرة الثقافة والعلم، فالطريق إلى شباك المرمى يؤدي بالضرورة إلى زوال العديد من الصداع الذي تفرضه لقمة العيش لكادح معوله القلم.
عندما طلبت من الأستاذ/ فائز أبا - شفاه الله - أن يعرفني بنفسه عبر مسيرته الأدبية والصحفية التي كنت أجهل الكثير منها وذلك عام 1988م ببهو فندق السلمان ببريدة حيث قدم للمشاركة بتقديم ورقة نقدية عن النصوص القصصية التي قدمت في تلك الأمسية اليتيمة عن القصة حيث لم تعقد بعدها جمعية الثقافة والفنون بالقصيم أي أمسية قصصية أخرى كان فرسان تلك الأمسية يوسف المحيمد وعبدالعزيز مشري - رحمه الله - وعبدالله باخشوين وسعد الدوسري وتشرفت بإدارة هذه الأمسية.. طلبت من فائز إعطائي بعض الأسطر لأستعين بها في تقديمه للجمهور خاصة وأن الكثيرين لا يعرفوه بل ولم يسمعوا به وإن كان في حينه له مشاركاته المتميزة عبر عكاظ واقرأ مع المرحوم محمد الطيب والمبدع عبدالله باهيثم، المهم في الوقت الذي كنت قد تهيئت فيه لسماع عبارات مثل.. لي مشاركة في.. كتبت.. ألفت.. وغيرها من العبارات المماثلة فإذا به يقول لي.. قل: «هذا الصعلوك خبر أرصفة الثقافة العربية وتربى على أعتابها»، أسقطت هذه العبارة كل الحواجز الزائفة التي قد تقف حائلاً بين أي اثنين يتعرفان حديثاً.. فتح لي نوافذ روحه وكنوز معرفته فأخذت أقترب منه وألامس أحاسيسه وأشتم رائحة وروده وأحزانه وباروده. وهذا ما دفعني إلى تقديمه بعبارات جعلت الأعناق تشرئب لترى هذا الذي يتغنى به عريف الأمسية خاصة وأن الاسم غريب على أسماع الكثيرين.
وعند إطلالة فائز أبا ببساطته وسماره الجميل ونسيانه لذاته لاستحضاره الوطن بأسره، كل هذا جعل البعض لا يتوقع سماع الكثير وأن ما سبق من عبارات لا تخلو من «رنين» دعائي وعبارات للمجاملة كما هي العادة. وسرعان ما تغير هذا الانطباع عندما أخذ يتناول فرسان الأمسية مشرحاً أعمالهم برؤية واضحة ساهمت في إنارة الكثير من النقاط التي ضلت طريقها إلى ذهن المتلقي مما جعل الإعجاب لهذا الرمح الأبنوسي كما اسماه أستاذنا/ عبدالله الزيد يزداد والأكف تتسارع في التعبير عن الإعجاب الكبير الذي حصده هذا الفارس الأسمر مما دفع بالكثير من مثقفي بريدة إلى التدافع لمقر إقامته ومحاولة قضاء أكبر وقت ممكن معه.. ما جعلني أسوق هذه الحادثة ليس للتعريف بهذا الفارس الذي تعرفه الكلمة العربية والمعربة وتشهد له ساحات النزال في الملاحق الأدبية والمنتديات الثقافية ولكن ما أعاد هذا الشريط إلى الذاكرة ما أوردته الأستاذة ريما الخميس في مقالتها أعمدة الحكمة «لكي ندرك أهمية هذا الدور علينا أن نتصور محرراً أدبياً أو مشرفاً على صفحة ثقافية في إحدى المطبوعات اليومية، إذا تميز بالوعي لمسؤوليته، وتحلى بعدالة الموضوعية وبشيم إنكار الذات والإخلاص والتفاني أشعل نبضاً مؤججاً في وقع الحياة الثقافية».
لعل هذا هو السر الكامن وراء بريق هذا النجم الأسمر رغم أن الكثيرين يظنون الشحم فيمن شحمه ورم.
|