Thursday 1st August,200210899العددالخميس 22 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

كالوس كالوس
كيمياء الفرجة.. بين المسرح وكرة القدم
أثير السادة

كان المسرحي الألماني بريشت ينظر بعينيه الملحميتين لكرة القدم التي استولت على قلوب الكثيرين وصارت حلما احتفاليا كونيا، وفرجة اوسع حرية واشد صخبا لجماهير تتلذذ بتشكيلات المستطيل الاخضر، وبهذا المد والجزر في مشاعرها المنعتقة في عراء فضاء المشاهد الحية، حتى قال مقولته بأننا لسنا في قرن المسرح بل قرن كرة القدم.
بريخت الذي انشغل بإعادة تأثيث فضاء الفرجة، وتطوير استراتيجيات التقى بالخروج على مغناطيسية الاداء التشخيصي والافادة من تقنيات التغريب، هذا المفهوم الذي ضرب به انماط الاستلاب العاطفي لفعل المشاهدة.. بدأ يشعر على ما يبدو بان تلك الملاعب الكروية بمعمارها المنتسب الى فضاء المدينة في المجتمعات الحديثة نقلت الجمهور بكل رغباته وطقوسه الاجتماعية الى حيز شروطها الفرجوية في عروض رياضية ستعيد لهم ما سلبته الموجة الحداثية في المسرح من خيارات الاتصال المسرحي.
صار بامكان المتفرج ان يستثمر قدرا اكبر من عواطفه في مشاهدة المباريات الرياضية، وان يندمج في طقس جماعي له فرائضه وتقاليده متفحصا فيه هويته التي يتهددها اتساع المدينة وكونية معالمها وتآكل مساحة الخصوصية بفعل تنميطات العولمة وهيمنة نماذجها السوقية حيث المنتجون يصوغون للمستهلك خياراته وذوقه الخاص.
قطعت المباريات الكروية الطريق على تدخلات المخرج في تأطير مجال المشاهدة، فالمتفرج في مدرجات الملعب الرياضي بات فاعلا بنحو يفوق بكثير متفرج المسرح في إنشاء مشهده الخاص عبر انتقاء مقصود لمستويات الرؤية، محولا مشاهدته الى فعل مؤازرة وتماه مع البطل/ الفريق، يتماوج فيها مع تحولات الحدث الرياضي التي سيأخذ منها بواعث تواصله مع باقي فواعل المشهد الحي من جمهور وحكام ولاعبين.
هنالك تصبح البطولات بلسما لانجراحات الذات/ الجماعة النرجسية، وتمييزا لهويتنا المنتصرة عن الآخر المنهزم، حيث يتراءى لنا انتصار الفريق انتصارا بمعنى اوسع للمدينة او الدولة.. يلتقط هذا المعنى الاخير الباحث دينيس كيندي في دراسته عن المتفرجين في الثقافة الحديثة والمنشورة في دورية Theatre Research Journal والتي عرض فيها مقارنته بين مشاهدة المسرح ومشاهدة الالعاب الرياضية.
هامش الحرية شاسع للمفترج في مباريات الكرة، وهذا ما اشتغل على تبيانه كيندي في تلك الدراسة، فاذا كان متفرج المسرح لايجاوز في اساليب انفعاله مع العرض التصفيق والضحك او حتى التأفف، فان صراخ المتفرج في مباريات الكرة جزء من ادواته... بل ضرورة من ضرورات ازدهار الفرجة الرياضية.. انه يرفع الصوت ويملك كل الحرية في الاحتجاج على طريقة اللعب والتحكيم والمدرب، احتجاجا يمتد الى خارج حدود زمان ومكان المباراة، وهو ما قد يصل الى حد العنف الذي تنتهي اليه خاتمة بعض المباريات في صفوف الجمهور والذي صار برأي كيندي جزءاً من الثقافة الرياضية لبعض الجماعات وضمن اشكال التعبير عن التفاعل.
وبرغم تطور تقنيات النقل التلفزيوني للاحداث الحية، مازالت الفرجة العيانية اذا صح التعبير تأخذ جمهور الرياضة لحضور المباريات، وتسجيل توقيعها على احداثها لحظة بلحظة، يدفعها في ذلك اعتقادها بقدرتها على التأثير في النتائج النهائية، الذي يشاطرهم فيها اللاعبون بتصريحهم الدائم بأن مساندة الجمهور كانت سبب انتصاراتهم.. انها الرغبة في ترك اثارها على حدث حقيقي في عالم يمنحها تجارب وخبرات معادة التصنيع، حتى تحقق انتسابها اليها، وتشارك في تشييد كرنفالية المناسبة.
وهكذا يمضي المتفرج الرياضي الى فضاء الملعب بكل زاده العاطفي ليحيل وجوده الذاتي وجودا اجتماعيا حالما، في وقت يسقط فيه المتفرج المسرحي كثيرا في امتحانات المشاهدة الحديثة، حيث تتحرك باتجاه معاكس لتوقعاته واستقرار افكاره، بما يجعلها جملة من المفاجآت غير السارة التي لاتكف عن التعدي على انسجامه الداخلي.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved