الأمير أحمد بن سلمان في ذمة الله.. جملة تعتصر القلب ألماً واللسان ينطقها، وكلنا إيمان بقضاء الله وقدره فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه {إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ}
وأبدأ رثائي في وفاة أميرنا وفقيدنا الغالي الحبيب بتقديم خالص العزاء والمواساة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز وجميع أبنائه وإلى والدة فقيدنا وزوجته وابنه فيصل وبناته نجلاء ولنا وعلياء وياسمين سائلاً الله العلي القدير أن يلهمهم الصبر والاحتساب وأن يسكن فقيدنا الغالي فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
توفي الأمير أحمد بن سلمان وماذا عساني أن أقول في وفاته أأرثيه أم أرثي نفسي أم أرثي ذلك الجمع الكبير من محبيه وزملائه وأصدقائه؟ وماذا عساني أن أقول وقد فقدت الأخ العزيز والصديق المخلص.
إن هذا المصاب الجلل أعظم من أن أعبر عنه بكلمات مهما بلغت من الصفحات ومنزلة فقيدنا الغالي أكبر من أن أصفها حتى ولو استعنت بأفضل الصيغ والمعاني.
ان الجمل والعبارات والمعاني مهما كانت مؤثرة وقوية وطويلة فلن تعبر بصدق عما أكنه من مشاعر الحزن العميق والجرح الأليم، ولن تعبر بدقة عما أختزنه في نفسي من مشاعر الحب والود للأمير أحمد رحمه الله، ولن تعبر تلك الكلمات أبداً عما أعرفه فيه وعنه من خصال يعلمها الناس وأعلم عنها الكثير.
فقد بدأت بالعمل مع سموه قبل ثلاثة عشر عاماً كان وقتها رئيساً لشركة «أساس» ومنذ أول لقاء لي بسموه لمست مدى ما يتمتع به سموه من تواضع جم وخلق رفيع ورثه من والده الأمير سلمان بن عبدالعزيز واشتهر به بقية أشقائه.
ومع الأيام زادت صلتي بالأمير أحمد توثقاً وطوال فترة عملي معه لم يكن يعاملني معاملة الرئيس لمرؤوسه وإنما كان يعاملني معاملة أخوية ورغم ما نتعرض له أحياناً من مواقف صعبة أثناء العمل فإنه يواجهني دوماً بابتسامته المعهودة، ولم أسمع منه قط أي كلمة تدل على الضيق أو الغضب وكان دائماً ما يقول لي: مهما اشتدت بي المواقف أو رأيت من الأخطاء والسلبيات فإني لن أسمح لها بأن تكون سبباً في أن أفقد احترامي ومحبتي عند الناس وخاصة القريبين مني.
إن في أميرنا وفقيدنا الغالي الكثير من الصفات والخصال التي جعلته من الشخصيات الاجتماعية التي تحظى بالكثير من الحب والتقدير ورغم أن الكثيرين يعرفون فيه تواضعه وحبه للناس وتواصله معهم، إلا أنني وبحكم قربي منه حيث تضطرنا ظروف العمل للبقاء أحيانا إلى وقت متأخر من الليل والتنقل إلى أماكن متعددة وصحبته في السفر في بعض المهام العملية له في الخارج فإني وجدت في هذا الرجل من الصفات ما لم يعرفها غيري، فبالإضافة إلى تواضعه الذي يعرفه الجميع فإن فيه ايثاراً نادراً فهو يفضل راحة وسعادة العاملين معه قبل راحته ولا يشعر بالسعادة والراحة التامة حتى يراها في جميع من هم معه خاصة في أوقات السفر، وسموه - رحمه الله- يمتلك ذكاء نادراً فهو يعرف مشاعر كل واحد منا وما يريد قوله قبل أن يتكلم، وهو رجل اجتماعي يحب الناس ويحب التحدث معهم، والجميع يعلم في الأمير أحمد حبه للخير إلا أنه كان لا يحب أن يعرف أحد عن عطائه، ففي مرات عديدة كان يوجهني بتنفيذ مساعدة شخص لجأ إليه لمساعدته وكان يؤكد على ضرورة عدم معرفة أحد بتبرعه ومساعدته.
أما من الناحية العملية فيكفي رؤية ما تحقق للمجموعة السعودية للأبحاث والتسويق من إنجازات حتى أصبحت أكبر دار نشر عربية للتعرف على ما حققته إداراته من نجاح وتفوق فالأمير أحمد رجل عملي يحب العمل ويخلص له وكنت أشفق عليه في بعض الأحيان نظراً لبقائه الطويل في المكتب إلى ما بعد الفجر.
كان لا يحب أن يستفرد بالرأي أو يفرضه على الآخرين، وكانت له رؤية خاصة ومع ذلك يستمع إلى آراء الآخرين ويحاول أن تكون قراراته متزنة يراعي فيها مصلحة المجموعة وشركاتها، وكان يتسم ببعد النظر ويتضح ذلك لنا كمسؤولين في الشركة بعد تنفيذ بعض قراراته انها كانت تصب في مصلحة العمل، ومنذ بداية عمله في المجموعة كان يحلم بأن تكون المجموعة أكبر دار نشر عربية وكان يقول: لا أهدف من وراء هذه المجموعة إلى الربح بقدر ما أهدف إلى خدمة السعودية والسعوديين وكل ما هو سعودي، ونظراً لما يمتلك من هذا الرصيد الكبير من الوطنية وحب الوطن فقد كان يجير كل إنجازاته الأخرى ومنها إنجازاته في مجال الفروسية إلى الوطن وكان يهدي كل جائزة يحصل عليها للوطن والمواطنين.
أما تعامله مع المسؤولين في المجموعة وشركاتها ومنسوبيها فقد كان يمثل قمة التعامل الراقي بين الرئيس وبقية الموظفين، فقد كان يضع ثقته في المسؤولين في الشركات وفي الوقت نفسه يتابع أعمالهم بدقة ويبدي لهم ملاحظاته التي يحرص على كونها ملاحظات وليست توجيهات إلا في الأمور المهمة، وفي الوقت نفسه كان الزملاء من مسؤولي الشركات يسترشدون بآرائه حول ما يخص مهام عملهم فهو رحمه الله يمتلك خبرة مميزة ونظرة عملية ناضجة ودقيقة للكثير من الأمور المتعلقة بسير العمل في المجموعة وشركاتها، وكان سموه - رحمه الله- يحث المسؤولين على أهمية خلق فرص جديدة للعمل وكان يحرصهم دوماً على الموظفين وبالذات الشباب السعوديين وكان يهتم بالكفاءات السعودية ويوليها ثقته ودعمه ولذا تبنى منذ توليه رئاسة مجلس إدارة المجموعة أن يكون رؤساء تحرير مطبوعات المجموعة من السعوديين وبأن تسند المناصب القيادية في المجموعة إلى الكفاءات السعودية المؤهلة.
أما بالنسبة لمهام عمله فقد كان حريصا على التوثيق والاطلاع على جميع التفاصيل المتعلقة بالموضوع، وكان يتأنى في اتخاذ القرار حتى الالمام بجميع تفاصيل وخلفيات الموضوع والاستماع إلى آراء المعنييين حياله ثم يتخذ بعد ذلك القرار الذي يرى أن فيه مصلحة للشركة وللوطن بشكل عام.
وبحكم ترؤسه للمجموعة التي تصدر من خلالها الشركة السعودية للأبحاث والنشر عدداً من المطبوعات الصحفية فقد كان يتلقى بشكل دائم عدداً من الملاحظات على مطبوعات الشركة أو موضوعات تنشر فيها وكان يقابلها دائماً برحابة صدر ويعالجها بكل حكمة وروية وبعد نظر، وكان -رحمه الله- يتحمل الكثير من تبعات بعض ما تتعرض له الصحف من قضايا ويؤكد أن العمل في المجال الإعلامي هماً لابد من تحمل تبعاته.
ان الحديث ليطول عن أميرنا الفقيد الغالي ومهما كتبت عنه - رحمه الله- فلن أفيه حقه فخصاله عديدة ومواقفي معه كثيرة، وما بيننا كان عشرة عمر وعلاقة أخوية قوية ومتينة جعلت منزلته في نفسي ومحبته عميقة، ولذا فإنني أبكيه بكاء أعز الأحباب وأقرب القريبين، وأسأل الله العلي القدير أن يمن علينا بالصبر على هذا المصاب العظيم وأن يمن عليه بالرحمة والغفران ويسكنه فسيح جناته، إنه سميع مجيب. {إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ}
المستشار - مدير عام مكتب رئيس مجلس الإدارة - المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق |