لم تجف محاجر أعيننا من دموعها بعد..
ولا حبر أقلامنا هي الأخرى..
ومازال ذلك الحدث الجلل لذلك الرحيل المر يؤرقنا صباح مساء..
نحاول أن نتشاغل عنه لكي ننساه..
وننشغل بغيره لكيلا نرى إطلالته من جديد..
ونفكر بما يبعدنا عن تذكر هول تلك المصيبة التي هزت أفراد مجتمعنا في الصميم...
***
وفيما نحن على هذا النحو وعلى مدى عام كامل..
نداري ألم فراق فهد بن سلمان الأخير والنهائي لدنياه إلى عالمه الجديد..
ونواسي أنفسنا بما ترك فقده من أثر في أعماق نفوسنا بتذكر خصاله الحميدة وسيرته العطرة..
فيما نحن أسرى على هذا النحو لعواطفنا ومشاعرنا التي لا يفيد معها أحياناً مثل هذه المسكنات..
إذا بشقيق الراحل العزيز يحث الخطى مسرعاً نحو ما اختاره الله له الآن، ولشقيقه من قبل في فاجعة جديدة وصاعقة مؤلمة وحدث فاجأ الأمة مثلما فاجأ والديه وأسرته وأهله...
***
صعب أن يتحمل المرء مثل هذه المصيبة دون أن يحزن...
وأن تختفي مع رحيل أحمد بن سلمان دموع المرء وسمات الحزن على قسمات وجهه..
وأن تكون إنساناً سوياً حين يستقبل رحيل شاب نابه كأحمد بن سلمان بلا ألم أو أسى...
فالإنسان يختزن في داخله كماً هائلاً من العواطف والمشاعر الإنسانية التي لا حدود لها...
وفي مثل هذه الفاجعة يبوح المرء بما يعبر به عن تأثره وألمه والعواطف عندئذ تستجيب لأداء الواجب دون تخطيط مسبق..
لهذا فجميعنا نلتقي عند الشعور بالصدمة مع تلقي خبر رحيل الأمير أحمد بن سلمان.
***
أحمد بن سلمان وقد وافاه الأجل المحتوم ترك لنا صفحات بيضاء لم يسعفه عمره القصير لملئها وبالتالي إضافتها إلى تلك الصفحات الكثيرة التي تنطق بما كان عليه هذا الأمير الجليل من تميز وتفرد في كثير من الأمور، لكن ما تتحدث عنه الصفحات الأخرى عن تاريخ هذا الرجــل يغني قليله عن كثيره للتأكيد على أنه كان نموذجاً للرجل الذي سوف نشعر بفقده بعد رحيله أكثر مـما كنا نعرفه عنه إبان حياته معــنا....
***
لقد آثر أحمد بن سلمان الصمت واختار أن يقضي أعماله ويقوم بانجازاته في هدوء ...
وحين ينكفئ أحمد بن سلمان على نفسه بعيداً عن البريق الإعلامي وهو المالك والمسؤول عن أكبر إمبراطورية إعلامية عربية فذلك إنما يمثل سلوكاً لرجال المرحلة وهم قلة وأحمد بن سلمان واحد منهم...
***
وعندما نُعي أحمد بن سلمان وتلقيت خبر وفاته وأنا أقضي أياماً خارج المملكة، تذكرت أول ما تذكرت الأمير سلمان بن عبدالعزيز وأم فهد والدة أحمد بن سلمان تذكرتهما كوالدين لم يندمل جرح رحيل أكبر أنجالهما بعد ولم يمض من الوقت ما يكفي ليخفف عنهما غياب فهد بابتسامته وإنسانيته وعواطفه التي تحدث الناس عنها كثيراً للتأكيد على أن فهد بن سلمان بمثابة الأخ والابن والصديق لكل أبناء هذا الوطن الغالي..
تذكرتهما كوالدين أيضاً لأحمد بن سلمان بعد وفاته، وقد كان صنو شقيقه بصفاته وخصاله وسيرته وعلاقاته بأفراد مجتمعه وبره بوالديه وإخلاصه لوطنه، ورحت أتصور الأمير سلمان وأستعيد من ذاكرتي ما كان عليه سموه في تلك الأيام الصعبة والعصيبة يوم وفاة ابنه فهد وكيف خانته عواطف الأب ومشاعر الإنسان عن مقاومة دموعه رغم تجلده بالصبر وإيمانه القوي بأن هذه إرادة الله ولا راد لقضائه.
تخيلت أم فهد أم أحمد أم سلطان أم عبدالعزيز أم فيصل أم حصة وما ستكون عليه هذه الإنسانة المؤمنة الصابرة وهي تودع اثنين من أبنائها في ريعان الشباب خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز العام الواحد..
***
وفاة أحمد بن سلمان خبر مؤلم ولا شك يهتز له حزناً وألماً وأسى الأبعدون فكيف بالأقربين..
اللهم ارحم فقيدنا الغالي وأكرم نزله واعف عنه واغفر له، اللهم ألهم والده ووالدته الصبر والسلوان والعزاء كل العزاء للأسرة المالكة الكريمة ولكل المحبين والأصدقاء.
{ إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ }
|