Wednesday 17th July,200210884العددالاربعاء 7 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

وعلامات وعلامات
عبدالرحمن شكري.- 2-
عبدالفتاح أبو مدين

الشاعر الكبير والأديب الطلعة، حين اختار العزلة والبعد عن الناس، يسأله بعض الصديق عن ذلك، فيجيب: «غداً ستبرد الشمس»، وهو يعني أن هذا الكوكب العظيم والهالة الحرارية، سوف يأتي عليها زمن، فيبرد لهيبها ويذهب توهجها وتنطفئ.!
اعتزال شكري للشعر والأدب والناس، أدخله في غربة، وأي غربة تدخل فيها النفس الإنسانية أقسى وأمضّ من بعد الإنسان عن الحياة العامة، التي هي وهج وحركة ونبض وحيوية، في كون كل ما فيه حركة وعمل ورفيف وزخم باذخ متوهج، وهي كما وصفها الكتاب العزيز: {لّعٌبِ وّلّهًوِ وّزٌينّةِ وّتّفّاخٍرِ بّيًنّكٍمً وّتّكّاثٍرِ فٌي الأّمًوّالٌ وّالأّوًلادٌ} [الحديد: 20].
* وتجد الدكتور شوقي ضيف في كتابه: «الأدب المعاصر في مصر»، يتحدث عن شكري ودواوينه الشعرية، فتارة يقدم له صديقه العقاد أحد دواوينه، وتارة أخرى يقدم شعره بنفسه، ولقد ألَّف قصة سمَّاها - الحلاَّق المجنون - ويقول الكاتب إن فيها ما يدل على تأثره بالآداب الروسية.. وألَّف «الاعترافات» ويظهر فيهار تأثره بالأدب الفرنسي، من اعترافات - جان جاك روسو، شاتو بريان، وهي اعترافات رائعة، فيها تحليلات وتأملات.. وصف فيها الشاب المصري بأنه «عظيم الأمل، ولكنه عظيم اليأس، وكل منهما في نفسه عميق مثل الأبد».
وفي تحليل شوقي ضيف لهذه القراءة، يرى أن شكري من خلال هذا الاعتراف - يضع في أيدينا مفتاح هذا التشاؤم وهذا الضيق والتبرم الذي وقَّعت مدرسته الشعرية على أوتاره.
* إن الرجل قد اكتنفه التشاؤم واليأس، ويرى الحياة من حوله مظلمة، فالشاب فيها لا يحصد سوى الضنى والمرارة والحزن، ويرى شوقي أن ذلك هو طابع شعر شكري في جميع دواوينه، وهو طابع حزن، وهو ما دفع به إلى ترديد الحديث عن الموت، فنجد في مفتتح الجزء الثالث من مجموعته الشعرية، قصيدتين عنوانهما: الحب والموت، وبين الحياة والموت، فيقول في الأولى:


وما الدَّهر إلا البحر والموت عاصف
عليه وأعمار الأنام سفين

ونجده يرثي نفسه في ديوانه هذا، بقصيدة عنوانها: «شاعر يحتضر»، بدأها بقوله:


أألقى الموتَ لم أنبَّه بشعري
ولم يعلم سواد الناس أمري
وفي نفسي من الأبد اتساع
تدور الكائنات بها وتجري؟!

* هكذا الحياة، ثلاثة رفاق أدباء، استطاع اثنان منهم، العقاد والمازني، أن يتغلبا على المصاعب، والخروج من الأزمة النفسية التي اكتنفتهما، غير أن شكري لم يستطع أن يقاوم، فانشلت حياته حياً.. ولعل الأيام فيها سعة، لنقف مع شعر شكري وقفة تأمل، واكتناه معانيه ومضامينه، وأكبر الظن أن المازني يتحمل تبعة ذلك الاكتساح الجائر على صديقه، فحوله إلى حطام، بعد أن ضاق بالحياة ومن فيها، وآثر العزلة، وهو لجوء يائس، لم يستطع مقاومة التيار، لأنه أقوى منه، ولم يكن له إرادة صاحبيه الفولاذية، فهزمته الأحداث، وكان يستطيع أن يصمد ويقاوم.. ولعل تخلي العقاد عنه، أدى به إلى إيثار البعد والانطواء والموات.!

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved