|
فمُرَّان إذن اسم من شجرة معروفة كانت هنا، أو من الرمح، أو نسبة الى صاحب القبر تميم بن مرّ. أين العيون والآبار والمزارع..؟! بعد تناول القهوة والشاي قمت بصحبة رئيس المركز نبحث عن مران القديمة. لم نر في طريقنا سوى دور حديثة، وشارع واحد نافذ الى شعاب فيها مزارع تقترب من حرة كشب. ودار واحدة قديمة كانت لآل ابن ربيعان الذين من أشهرهم مسلط بن محسن بن ربيعان (ت 1220هـ). وعمر بن عبدالرحمن بن ربيعان (ت 1400هـ) ثم تحولنا الى طرف مران من مشرق شمسها لنقف على أطلال وبقايا لقصرها القديم أيام عزها في قرون خلت فهنا منخفض لواد كانت تجري فيه العيون. والى الجنوب من القصر مرتفع عليه بقايا لقلعة حربية وعلى بعد حوالي 600م جنوبا قبر له أنصاب بارزة يقولون هو قبر عمرو بن عبيد(4) وحوله قبور كثيرة.. ومن هذا الموضع أمكننا مشاهدة دغيبجة التي هي (الشبيكة) محطة أخرى للحج على طريق البصرة المار من هنا. أبو جعفر المنصور هنا..!! عندما وقفنا على القبر تخيلت مشاهير الدولة الاسلامية الذين كانوا يمرون بمران في طريقهم الى مكة أو آريبين منها منذ القرن الهجري الثاني، ومنهم الخليفة أبو جعفر المنصور الذي زار قبر عمرو بن عبيد وقال شعراً(5):
وهو الذي قال فيه المنصور أيضا: (كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد). العيون والقصور التي كانت إن مُرَّان هذه كانت مثلما تقول كتب الرحالة والمؤرخين وادياً كثير المياه، كثير الأشجار غناء كثيرة العيون والمزارع . قال بذلك عرام السلمي والسكري والحازمي والحربي وغيرهم لكن ما اشاهده اليوم غير ما كان بالأمس. العيون غارت والوادي ليس فيه سوى شجيرات سمر وسدر ودوم، وحده النخيل ظل صامداً حول آبار من أعلى الوادي جهة كشب. قال الحازمي.. مران لبني هلال من بني عامر. وقال عرام: جزء لبني ماعز(6). ولا تنفك الكتب تذكر مران فتقول: بها حصن ومنبر وناس كثير وقلت: كانت محطة مهمة على درب البصرة.. وما كان بها من عيون ونخل أكسبها هذه المكانة وهذه الشهرة، خاصة وهي كانت تتوسط الطريق بين الشبيكة غرباً منها والمويه وقباء شرقاً يقول الشاعر ويذكر ماعزاً من سكانها:
وقال ابن الأعرابي:
هل الشعر يخلِّد المكان، أم المكان يخلِّد الشعر..؟! لا أعرف إلا أن المكان يخلق الشعر والشعر يبقى على المكان حيا في الذاكرة والدليل مران هذه.. لم يبق فيها ما يستدل به الا ما جاء في الشعر. كانت عامرة على زمن وهب بن جرير فيورد له صاحب المناسك شعراً يفيد انها كانت محرماً:
وفي العصر الحديث يذكرها بولس سلامة في ملحمته الشهيرة عن بني هلال في 282 بيتاً وهو يصور رحلة الملك عبدالعزيز الأولى من نجد الى الحجاز فيقول: يا عجيري - قال سلطان نجد:
فهذا فهد السكران يقول:
وتقول الشاعرة مويضي البرازية وهي تمدح (حمود) بن ربيعان وتذكر مراناً:
وشاعرة شعبية أخرى هي وضحا الجد يعية، من الموهة من مطير تبكي مرَّان وتقول:
أما الشاعر بخيت بن معاز الروقي المتوفي قبل 70 سنة فيقول:
ولكن يوجد من الشعراء من ينقم على مران..!! لأنه كان سببا في فراق محبوبته:
من الماضي.. إلى الحاضر * بعد وقفة طالت على أطلال مران القديمة، تحولنا الى الحاضر، فانتقلنا الى الجهة الشمالية والشرقية من مران حيث شاهدنا مزارع كثيرة للنخيل على مد النظر ويقولون انهم يزرعون أيضا الخضروات والحبوب والليمون وغيرها .. ووقفنا على تبة مرتفعة من أعلى مزرعة للشيخ محمد العذل وبعد أخذ الصور سجلت بعض المعالم الجغرافية التي استطعت تمييزها من هذا الموقع. فهذه حرة كشب خلفنا شمالا وبطرفها جبال لحي ضب وحزي وقنَّة وأم الضلوع والصقريات وآينا وإيني وشلمان كلها جبال سود حرار مياهها في أودية تمر بمران نحو الصبخة الملحية جنوبا ومن هذه الأودية وادي مران أكبرها وبمحاذاته وادي ابو صلال ووادي السليل وأم المراغ. ومن الشرق نشاهد جبلي هكران وهكيرين بين مران والمويه.. وجبال أخرى سود وصماع ونبجة والهيّل وفي الهيل ذكروا لنا وجود انفاق طبيعية تحت الأرض وبئر في أعلى الجبل تنفث هواء ساخناً وتجذب كل من يقترب من فوهتها وأنه لا قرار لها والوصول اليها صعب للغاية لأن أرض الجبل هيال واسمه على ما يبدو من هذا. سباع وطيور وأشجار وقبل عودتنا الى مقر المركز شاهدت بعض الطيور فسألت عنها قالوا هي كثيرة ومنها الحجل والقماري والكروان والقطا والحباري والضرمبان والوبر والعصفور والنفري والهدهد والغراب والحدأة والصقور والنسور والحمحوم والغرانيق ثم نوهو بالسباع والحيوانات البرية ومنها: ذئاب - ضباع - ثعالب - ضب - أرنب - جربوع - ظباء. والمشهد العام هو كثافة شجرية ونباتية آية في الجمال فهنا أشجار السمر والسلم والسرح والطلح والتنضب والوهط والعوسج والدوم والسيال.. كلهما تحيط بالنخيل الذي يتبطن الأودية. ومن النبت الذي يلتف في هذه السفوح العشب والربل والشرشر والقفعاء والنفل والحربث والخزامي والربلة والقرمل وكف البركة والأفنون والهراس والنقيع. حديث البعوض..؟!! عدنا الى مقر المركز واجتمعت بعدد من أبناء مران وهم: عقاب بن بندر بن ربيعان رئيس المركز وتركي بن هداج بن ربيعان وكيل المركز وفالح بن صنيتان الروقي ومقعد بن نايف الروقي من الاعيان وماجد بن بندر بن ربيعان من الاعيان وناصر بن بندر بن ربيعان رجل أعمال وزعام بن نجر الروقي من الأعيان. ولفت نظري كثرة الذباب في هذه الديار ولما فتحت الكلام جاء من أدلى بدلوه في قضية تؤرق الناس . ألا وهي انتشار البعوض والذباب بشكل لم يسبق له مثيل بسبب العشب والمستنقعات الكثيرة وراح كل واحد يصف مشكلة مع البعوض ويصف بعوضة بأنها كبيرة لم ير مثلها من قبل وناس تضرروا وأصيبوا بحمى الملاريا وآخرون لا يستطيعون الجلوس في دورهم عوضا عن النوم.. حتى تحول المجلس الى حديث في البعوض وكلام كثير يتناول تقصير البلدية في جانب النظافة والصحة العامة فلا تزفيت ولا تنظيم ولا تخطيط ولا تشجير ولا بلدية أبداً في مَرَّان.. هكذا يقولون .. وهاجسهم الأكبر اليوم البعوض وسطوته التي تهدد صحة الناس بشكل خطير. المركز وقراه.. انتقلنا بعد ذلك الى القلام على مركز مران الذي أسس على 1412هـ قال رئيس المركز عقاب بن ربيعان بأنه يمتد على 80 كيلاً طولاً وعرضاً وأن سكانه يعدون اليوم قرابة (000 ،10) نسمة وطلابه وطالباته في الابتدائي والمتوسط في 4 مدارس 750 طالبا وطالبة وفيه من الخدمات العامة بريد ومركز صحي صغير وذكر رئيس المركز ان أشهر قرى مران هي: ابو صلال - القرارة - الدمثة - المطلاع - الصقاريات - الغالبية - الفاضليات - السليل - الشفا والمشقا والفرعة والمراغ وغيرها. هموم في مران.. ثم عبر الأعيان هنا عن همومهم راجين نقلها إلى كافة المسؤولين ومنها: 1- الكهرباء لم تصل بعد. 2- الهاتف لا يعمل. 3- الجوال لا يعمل. 4- التلفزيون لا يُرى إلا عبر الأقمار الصناعية. 5- الصحف لا تصل..!! 6- لا يوجد دفاع مدني.. 7- لا وجود للخدمات الزراعية والبيطرية. 8- لا يوجد خدمات بلدية تذكر. 9- لا يوجد اهتمام بالآثار والمعالم الحضارية. مدينة بدون مقومات مدنية غادرت مران عصراً وسط شمس ملتهبة في أواخر ابريل.. لكني مكثت طوال الطريق الى الطائف وأنا أقلب في وصفهم لمران بأنها مدينة وأتساءل ربما تكون مدينة بعدد سكانها وتشبث أهلها بها، وهذا من حقهم خاصة إذا عدنا الى تاريخها المجيد عبر مئات السنين.. لكن أين هي المقومات المدنية التي تعزز نمو وتطور وحضارة مرَّان..؟! سؤال جوابه عند أكثر من جهة في مقدمتها وزارة البلديات ثم وزارة المواصلات. وأخيراً فان منظر الوانيت الذي يرعى الاغنام ويسير خلف الابل وقد يحدوها.. في هذه الجهات هو منظر جديد عصري في حياة البادية.. إنك لن ترى ابتداء من اليوم فصاعداً راعياً أوراعية بعصا طويلة وبدرة ماء وزوادة طعام في الصحراء ولكن وانيت يدهده القطيع ويحدوه بأغنيات حديثة، لسميرة توفيق أو حجاب أو لنقل فيروز ومحمد عبده وآخرين ترتفع حناجرهم من المذياع الذي بالكاد يسمع هنا. إحالات وهوامش (1) ترتيب القاموس. مادتي (مرر) و(مرن). (2) نفحة الريحانة للمحبي ج3 ص579 الطبعة الأولى 1968م (3) الأبيات عند ابن خميس في المجاز بين اليمامة والحجاز ص 192/193. (4) عمرو بن عبيد زاهد كان شيخ المعتزلة في عهده توفي عام 144هـ. (5) عن المجاز بن اليمامة والحجاز. مصدر سابق ص 192. (6) انظر معجم معالم الحجاز للبلادي مادة (مران). (7) المصدر السابق. مادة مران. (8) المصدر السابق. مادة مران. (9) المصدر السابق. مادة مران. (10) ملحمة - بولس سلامة والمجاز بين اليمامة والحجاز مصدر سابق ص 195. (11) المصدر السابق ص193. (12) المصدر السابق ص 194. |
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة] |