لم تنته الأزمة بعد، ولكن العالم تنفس الصعداء بعدما توقفت الهند وباكستان على بعد خطوات من شفا الحرب التي كان يمكن أن تتحول إلى حرب نووية، وبعواقب لا يمكن التكهن بها.
ومن المفيد إذا لم يكن من المرعب أيضا أن نرجع بالذاكرة إلى الوراء إلى سيناريو احتمالية حدوث حرب نووية منذ 17 عاما في المنطقة نفسها، على نفس القضية، وهي من الذي ينبغي أن يحكم تلك المقاطعة الجميلة «كشمير» والتي تديرها الهند وبها غالبية مسلمة؟
وربما يساعد استعادتنا لهذه القصة في أن نتجنب استيقاظنا متأخرين بعد فوات الأوان على خطر هذه القنبلة الموقوتة التي لا تزال تدق عقاربها حتى الآن.
ففي عام 1985 أقامت جريدة «الكريستيان ساينس مونيتور» مسابقة لأفضل مقال، والذي يستطيع أن يتنبأ بأحوال العالم عام 2010 وكيف يمكن تحقيق السلام في خلال ربع القرن التالي.
وكان وصف المقال الفائز لكيفية تحقيق السلام في القرن العشرين مذهل للغاية، ويحمل لنا الكثير، كما يعكس لنا صدى أحداث عالم اليوم.
فقد جاء السلام إلى العالم كنتيجة لحرب نووية ضارية بين الهند وباكستان.
ولقد خاضت كل من الهند وباكستان حتى الآن حربين على إقليم «كشمير» المتنازع عليه، وطبقا لسيناريو المقال الفائز. استطاعت الدولتان الحصول على أسلحة نووية بطريقة سرية، ولكن لم يتوقع كلاهما أن هذه الأسلحة سوف تستخدم على أرض الواقع، ثم قامت أكبر معركة دموية في التاريخ نتيجة لحسابات خاطئة.. فقد أدت حادثة صغيرة إلى غضب عارم، وقاد الغضب العارم إلى حرب، وهذه الحرب قادت بدورها إلى تطاير الصواريخ المحملة برؤوس نووية في سماء الدولتين لتحدث مذبحة رهيبة للطرفين.وبالألوان الطبيعية وعلى الهواء مباشرة شاهد العالم الانفجارات النووية التي على شكل فطر «عيش الغراب» ترتفع في كراتشي الباكستانية والمدراس الهندية، مما أحدث حفرا عميقة على أشلاء وتلال مدن كاملة كانت في يوم من الأيام قائمة على خريطة العالم، الآلاف أصيبوا بالعمى، وأصبح ظهر الأرض مثل سطح القمر؛ مليئاً بالفوهات والأغادير والحفر، أعقبه تغير مناخي في نصف الكرة الشمالي، ومأساة غذائية عالمية، وأشعة فوق بنفسجية بمعدلات عالية.. وفوق كل ذلك: يأس مطبق.
وقد خمن المحللون بعد ذلك أنه طالما أن كلا الدولتين لم تخططان لاستخدام الأسلحة النووية، فبالقطع وقع خطأ من الحاسوب في نيودلهي، ولكن يختتم كاتب المقال قائلا:
«وفي النهاية.. أصبح مفهوم إلقاء اللوم نفسه بلا معنى.. فقد عم الرعب جميع أهل الأرض، ليس من أجل الأخوة الإنسانية الضائعة، ولكن لضعف بني البشر، ولم تكن المثل ولا الحب بين بني البشر هي التي جلبت السلام في النهاية، ولكن عن طريق الاصطدام المروع بحقيقة الحرب النووية.. وكان الثمن باهظا في النهاية.. وباتت الحقيقة المفجعة هي المعلم الوحيد للبشرية».
وما تبقى من أشلاء الهند وافق وبسرعة على إجراء استفتاء في كشمير، كما حكمت الأمم المتحدة منذ نصف قرن قبل ذلك التاريخ. وقد تفكرت كل الدول النووية الأخرى في هذه الكارثة المروعة، واعترفت في النهاية أن استخدام هذه الأسلحة يمكن أن يهدد المدنية نفسها، ومن ثم تخلصوا منها بلا رجعة.. وهكذا عم السلام العالم. ولم يكن هذا هو الشق المثير فقط في مسابقة الجريدة، فبالرغم من أن رئيس التحرير كان يتوقع استجابة بسيطة للدخول في هذه المسابقة، فقد فوجئ بأكثر من 1300مقال كل مقال مكون من 3000 كلمة من أناس حول أنحاء العالم.وكان المقال الفائز قد كتبه ريتشارد لام حاكم ولاية كلورادو، وكان القضاة الأربعة من خليط عجيب؛ السكرتير السابق للأمم المتحدة كورت فالدهايم.و مدير وكالة المخابرات المركزيةالأمريكية الأسبق ستانسفيلد تيرنر.و الخبير الاستراتيجي السويسري كورت جاستيجر، وكاتب سطور هذا المقال.
لينكولن ب. بلومفيلد أستاذ فخري للعلوم السياسية في معهد ماساشوستش كريستيان ساينس مونيتور |