على مدى العقود الثلاثة الماضية، لم يشاطر مارجريت تاتشر حماسها من اجل الحرب الباردة سوى القليل من الزعماء الأوروبيين، إن وجدوا، فلم يروا أي وجاهة في الرأي القائل بتحدي شرعية السوفيت. فأوروبا ربما كانت تعاني من الانقسامات، ولكنها كانت لا تزال تتمتع بالاستقرار، والواقع أن الكثير من الأوربيين كانوا يؤمنون بأن الخطر الرئيسي على هذا الاستقرار لا يأتي من الرغبة الروسية في تصدير الأيديولوجية الروسية، وإنما يأتي من نفاذ الصبرالأيديولوجي لدى الأمريكيين.
فعلى الأقل في الدوائر الخاصة وأحيانا العامة رغب الساسة الأوربيون في أن يكون الأمريكيون أقل تصلبا تجاه روسيا، الآن تحققت أمنيتهم، وكما صور جاك سترو الأمر، إن الجولة الأخيرة من مباحثات أمريكا الناتو روسيا بمثابة تشييع للحرب الباردة إلى مثواها الأخير، ومع ذلك، سرعان ما يكتشف الأوربيون أن تحقق الأمنيات لا يجلب السعادة دائما، فمع إسدال الستار على الحرب الباردة، سوف تتوقف أوروبا عن كونها مركز الكون.
وطوال ستون عاما، خاض الساسة الأوربيون معركة ناجحة من أجل أن تظل قارتهم في طليعة الدبلوماسية الأمريكية،ولا يوجد شيء في التاريخ الأمريكي أو في شخصية الشعب الأمريكي ومؤسساته ينطوي على أن الأمريكيين قد يقبلون التزاما خطرا ومفتوحا ومكلفا لضمان أمن أوروبا الغربية، ومع ذلك فقد فعلوا، وجاءت الأيام الطيبة وأصبحت أوروبا محط الأنظار، أما في المستقبل فلم يعد ذلك صحيحا، فقد تغير مركز الثقل الجيوسياسي وانقلب رأسا على عقب.
لقد فعلت أحداث 11 سبتمبر فعلها كما هبت رياحها على كل شيء في الولايات المتحدة، وأصبحت نقطة تحول فاصلة في التاريخ الأمريكي، فالهجوم على قلب الأراضي الأمريكية إلى جانب التهديد المزدوج من قبل الإرهاب والحرب غير المتسقة يتطلب إعادة تقييم استراتيجي للموقف، ومع ذلك كان الحادي عشر من سبتمبر بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية مجرد عامل محفز، وحتى قبل سبتمبر، كانت هناك ثورة فكرية تحدث في السياسة الخارجية الأمريكية: تحول جوهري في العلاقة مع الروس.
وقد بدأت هذه العملية بمجرد وصول جورج بوش إلى الحكم، وذلك لعدة أسباب. الأول هو تأثير كوندليزا رايس، الخبيرة بالشؤون الروسية، التي أقنعت الرئيس الجديد أن روسيا تغيرت بالفعل وأنها تمضي قدما نحو الديموقراطية وسيادة القانون، أما السبب الثاني فهو تأثير فلاديمير بوتين، فسرعان ما أصبحت علاقته الشخصية بجورج بوش علاقة دافئة وودودة،على العكس من علاقتي ريجان جورباتشوف، وتاتشر جورباتشوف.
فكانت تعاملات رونالد ريجان ومارجريت تاتشر مع جورباتشوف أكثر حذرا وتحفظا مما تبدو عليه في وسائل الإعلام، وأثناء أحد اجتماعات ريجان مع جورباتشوف، ضغط الرئيس الأمريكي على الروس من أجل فتح حرية الانتقال في بلادهم، وأجاب جورباتشوف قائلا : «إنك تضع الحواجز لكي تبقي المكسيكيين خارج أمريكا، فلماذا لا أضع الحواجز لإبقاء شعبي بالداخل؟» وغمغم ريجان لمترجمه بصوت هامس: «إنه لم يفهمها بعد أليس كذلك؟».
أما رونالد ريجان فقد فهمها، فمن خلال تشجيع جورباتشوف على التغيير، استطاع المساهمة في الانتصار في الحرب الباردة والقضاء على الاتحاد السوفييتي، ونتيجة للانتصارات التاريخية لهذا الرئيس العظيم يستطيع بوش الآن أن يكون منفتحا في تعاملاته مع بوتين، وهذه الأيام هناك حاجة أقل للحسابات الدقيقة، كماأن هناك عامل آخر.
فقد حدثت في واشنطن عملية إعادة تقييم تاريخية كبرى، وتجلت أولى مظاهرها في العدد الأخير من مجلة المصلحة القومية في مقال بعنوان «الشرطة الروسية العليا»، فانصب اهتمام المؤرخين على إحدى النقاط الأكثر إثارة للمتاعب بشأن بوتين ألا وهي ماضيه في جهاز الاستخبارات الروسية «كي جي بي»، واستنتجوا أن هذه الخلفية لها تأثيراتها كما أنها نتاج تقليد روسي عريق: الشرطة العليا.الاعتقاد بأن روسيا يمكن أن تحكم فقط من خلال سلطة مركزية كان سائداً، وبوتين يمثل الجيل الأخير من المناصرين لهذا الاعتقاد، وبخلاف أسلافه في القرن التاسع عشر، فإنه لا يعمل في فراغ سياسي، وبقدر ازدهار الديموقراطية والنمو السريع في المجتمع المدني، بقدر ما تثمر جهوده.والأمريكيون يتمنون له حظا سعيدا، فعلى الرغم من التوتر في العلاقات مع إيران، لم يعد لديهم أي سبب للتشاحن مع روسيا، ولكن الموقف الأمريكي الجديد لا يقوم على السلبيات فقط، فإدارة بوش تكتشف عبر معايير النظرة العالمية، أنها تشترك مع الروس في أشياء تزيد عما تشترك فيه مع الأوروبيين، كماتوقعت بريطانيا، وبعد 11 سبتمبر، أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى حذرة، فعلى حين غرة أدرك صناع السياسة الأمريكية مقدار التناقض الموجود بين القدرة العسكرية غير المحدودة والخطر المراوغ، وتعلم بوتين، الحذر بطبعه، هذا الدرس بالفعل، فروسيا ربمالا تمتلك نفس الإمكانيات العسكرية الأمريكية، ولكن ترسانتها يعتمد عليها، ومع ذلك، أثبت عجزها عن احتواء الخطر الإرهابي في الشيشان، تلك القضية التي تقض مضجع فلاديمير بوتين، وهو يؤمن بنظرية الدومينو، ويخشى أن انهيار الموقف الروسي في الشيشان يمكن أن يؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة الجنوبية بأكملها، وهذا هو السبب في رغبته في الحد من الإنفاق اللازم للاحتفاظ بقدرة نووية زائدة عن الحد والاعتماد أكثر على الأسلحة التقليدية.ويتعاطف الأمريكيون مع هذا الرأي، ويرون أنهم يتفقون مع الروس في مسالة أساسية وهي أنهم يعيشون في عالم مليء بالأخطار، أما الأوروبيون، على النقيض، فإنهم يرفضون الاعتراف بالخطر أو مرة أخرى كما تتوقع بريطانيا المساهمة بنصيب كبير في التحالف، وعلى ذلك تتضاءل نظرة الأمريكيين إلى هذا التحالف شيئا فشيئا.
الإندبندنت |