1/2/3 والمفككون الذين صُدموا بتحولات بعض الموقعين: الموقفية والفكرية، يجهلون (فقه الواقع) و(لغة العصر)، فالعالم اليوم يمر بتحولات جذرية. ومناطقه تجتاحها متغيرات، لم تستوعب، لكثرتها، وسرعة تلاحقها. والأحداث كالرياح العاتية، توجه السفن، أو تضطرها إلى التوقف، حتى هدوء العواصف. وكل حدث يطرح خطابه ورجالاته، وكل زمان له دولة ورجال، والنوازل تضيء عتمة النصوص، وتخصب دلالاتها، وتحيل مواقف التصلب إلى لين، والقصد إلى تردد. و(السكونية) التي يفترضها البعض، ليست التصور السليم، وعلينا أن نتوقع تقلب القلوب والأبصار، وأن نسأل الله الثبات على الدين. ومع أنني لم أكن من المتشددين في شدتهم، فإنني لم أكن معهم في تسامحهم، وإن تقاطعت معهم في الحالين، وفق رؤيتي الذاتية، التي لم يملها عليَّ أحد، ولا أدل بها على أحد، ولما لم يكن في المخلوقات مغير لا يتغير فإن الإحالة على الماضوية تعنت لا مبرر له.
وأحسب أننا نمر بحمَّى التحولات الانقطاعية، ولكل تحول شفرته وأنساقه. وصرعة البيانات بوصفها خطاباً جديداً منتج هذه التحولات، وعهدي أنه لم يسبق أن اتخذت مشاهدنا في التعبير عن وجهات نظرها مثل هذا الأسلوب، وإن جاءت ممارسات سياسية وفكرية: قديمة وجديدة على هذه الشاكلة، فعلى المستوى العالمي هناك (البيان الشيوعي) المعروف ب (المانيفستو الشيوعي) وهو النداء الذي وجهه (ماركس) و(انجلز) إلى الطبقة العمالية عام 1847م، وعلى المستوى العربي صدرت عدة بيانات بشكل جماعي وفردي، إبان (المد الثوري) ك (البيان الثلاثي) و(بيان طرابلس) و(بيان 3 مارس)، ثم هناك البيانات التي تتمخض عنها الاجتماعات والمؤتمرات، وكل طائفة تعبّر عن وجهة نظرها بالطريقة التي تراها مناسبة. وبعد أحداث سبتمبر، ومواجهة الإرهاب، والتصدي العنيف للانتفاضات، والانحياز الغربي المدان للاستيطان الصهيوني، انفرط عقد البيانات. ففي (باريس) أصدر عدد من المثقفين العرب بياناً يدينون به الاعتداء على اليهود، وفي أمريكا صدر بيان أعده (معهد القيم) ووقعه ستون أمريكياً، يتساءلون فيه عن مشروعية الحرب الأخلاقية والايديولوجية، والموقف من مثيراتها وأهدافها، وعن حتميتها، وعدالتها. ثم تلاه بيان مضاد من مائة وثمانية وعشرين مثقفاً أمريكياً، ومن بعده صدر بيان موقع من مائة وثلاثة عشر مثقفاً ليبرالياً وأكاديمياً وتنويرياً وصحفياً سعودياً، وعلى أثر البيان الأمريكي وقَّع مائة وأربعة وسبعون مفكرا إسلامياً، وأديباً، وعالماً شرعياً، وأستاذاً أكاديمياً بياناً، يشكل رد فعل للبيان الأمريكي، وبعد مدة تراجع بعض الموقعين، وبدأت التهديدات بإصدار بيانات مضادة، واشتعلت في أثره المقالات الصحفية، وامتلأت المواقع المعلوماتية، بين مؤيد ومعارض، وساخر وشامت، ومفسق ومكفر، وأعقب ذلك بيان توضيحي في محاولة يائسة للالتفاف على الخلاف. ومن يعش منا فسيرى اختلافاً كثيراً، والسعيد من كان على المحجة البيضاء، والمرتاح من تخلص من لعبة (التقليعات)، ووسد الأمر إلى أهله، وأدرك أنه من المستحيل اجتماع سيوف في غمد واحد، ومن أخطر المواقف مجيء اللعبة أكبر من الّلاعب.2/2/3 والبيان الذي تعددت قراءاته، لم يكن مثيراً في شيء: فاللغة قريبة من لغة الإعلام، والخطاب وإن ركن إلى الاستدلال، فإنما هو استدلال يتكىء على معارف متداولة، ومنطق مشاع، والمشاهد متخمة بمقولات مشابهة، وحسبنا أن نستمع إلى الإذاعات والقنوات، أو أن نقرأ فيوض القول في الصحف والمجلات، أو أن ندخل على المواقع، كي نستبين ملامحه، فليس فيه شيء من المسكوت عنه: عجزاً، أو جهلاً، أو حظراً. والمثير فيه: (كشكولية الموقعين) وتحول الصقور إلى حمائم، والدوي إلى زجل، وتصور بعض القنوات، أنه شق لعصا الطاعة، وخروج على سياسة المؤسسات.
لقد حاول البيان أن يحدد الفعل ورد الفعل، متجهاً صوب الجمع بين النقائض: (التعايش) و(التقاتل) و(الحوار) وهذا الثالوث الجدلي، لم يتحرر بطريقة معرفية، وإنما هي فرضية تمرحلية ساذجة، تحاول التأسيس على التوفيق أو التلفيق أو التأليف، بوصف الآخر وجوداً متجانساً، يمكن مواجهته بخطاب واحدي النزعة والتصور، ولما يكن التصور لاختلاف الدين، وتعارض المصالح، وحتمية الصراع واضحاً لدى المنشئين للبيان.
لقد حاول البيانيون تحديد (الأنا) و(الآخر) وتصور المسافة الفاصلة بينهما، وهي مسافة سحيقة في خطاب الأمس، قصيرة في خطاب اليوم وذلك مثار الاستغراب والجدل. والبيان بهذه المحدودية: مادة وإمكانية، لم يقدم مشروعا، يراهن على فك الاختناقات، وتجاوز المراحل الحرجة، وإن كان يحمل هم الإفضاء ببرنامج للتعايش، ولكنه في النهاية برنامج يضمر الرغبة في إثارة المشاعر والانفعالات، وكأني بمنشىء البيان يحيد عن ازدراء (الآخر) ومناهضته وهو الخطاب السابق للحادي عشر من سبتمبر إلى شرعنة حق (الأنا) في التماثل مع (الآخر)، وليس في ذلك قول (معسول أو مغسول) ، وليست ثقافتنا المحلية (إملائية اكراهية احتكارية)، كما (أن ثقافة الأمة لا تقوم على الحفظ والتكرار)، كما يزعم البعض (الوطن 5/3/1423ه). وحتى لو قبلنا بوابل الاتهامات، لكان من الإنصاف تحديد الاتهام، وعدم تعويمه، وإذا كان الكاتب ناقماً على ثقافة أمته، فإن الموقعين يمثلون أنفسهم، وليست ثقافة الأمة من الضآلة، بحيث تختصر في عدد من المثقفين، وقد يشفع لمعدي البيان دون موقعيه، أن التأسيس لمرحلة ما بعد المواجهة تتطلب لغة مغايرة، وجهل الكاتب بمقاصد السلم والتعايش ضخَّم عنده مشروعية (البرّ) و(القسط) مع الجانحين للسلام. وأخطر من هذا، من حمَّل الموقعين مسؤولية الإطاحة بشواهد الحضارة الأمريكية، والتغرير بفلذات الأكباد التائهين في الأحراش والمرتفعات (الشرق الأوسط 25/5/2002م) وفاته أن اللعب السياسية هي صانعة (الإرهاب) و(الجهاد) (جريدة الجزيرة 24/2 و2/3/1423ه) (صناعة الإرهاب بين المناهج الدراسية واللعب السياسية). وإذا كان الموقعون قادرين بتعبئتهم البلاغية على تشكيل جبهة طويلة الأيدي، بحيث تطال الغرب في عقر دارهم، فنعمَّاهم، إذ هم قد فعلوا ما لا تفعله الجيوش المدججة بالسلاح، غير أن في الأمر حلقة مفقودة لا يعرفها إلا العالمون باللعب السياسية، وكم من صانع لعبة لقي حتفه على يد اللاعب بها. وعلى كاتب (الشرق الأوسط) أن يربع على نفسه، فالقضية أكبر مما يتصور، وعرائس المسرح لا تبهر إلا الأطفال.
3/2/3 ومشروعية الارتياب من بعض المفككين يوحي بها اشتغالهم بهذا البيان، دون غيره من بيانات: محلية وعربية، فما من أحد منهم تمعر وجهه من تعاطف (بيان باريس) مع الصهيونية، وقد وقعه عرب مسلمون، وفيهم سعوديون فرانكفونيون، أسرفت في تمجيد التافه من أعمالهم السردية فلول الحداثة. كما أن بيان العلماء والقضاة والمفكرين والأدباء والأكاديميين، زامنه بيان مماثل من شريحة سعودية مغايرة، حيث وقع مائة وثلاثة عشر مثقفا وصحفياً بياناً يطالب الحكومات العربية باتخاذ موقف جاد من الاختراق الأمريكي والإسرائيلي للمنطقة العربية والإسلامية، ويؤكد على ضرورة المقاطعة. والبيانان لا يختلفان عن بعضهما: همَّاً ومضموناً وأسلوباً، والقارئون لبيان العلماء والقضاة والأكاديميين يمكن أن يقفوا على ذات الهنات في بيان المثقفين (الراديكاليين)، ولكنهم لم يفعلوا، الأمر الذي يؤكد على أن البعض مدفوع بموقف مسبق، ونية مبيتة، وليس الأمر مرتبطاً بعوار البيان. لقد مر بيان المثقفين الشباب بسلام، ولم يقرؤه أحد، ومن قبله مر (بيان باريس) بذات الهدوء، مع ما فيه من الجنايات، فيما تهافت العشرات على قراءة بيان المثقفين والعلماء، فمن ناقم، ومن ناقد، ومن موفّقٍ بين الأطراف. وإذ لا أكون معترضاً على مجرد القراءة فإنني أتحفظ على الدوافع والمآلات، وأساليب العرض، وكثرة اللغط حول قضايا ومواقف، لا تستحق كل هذا التدافع والتكاثر، ولاسيما أننا في ظروف قاسية، تستدعي الترشيد حتى في الكلام. والمؤسف أن طائفةً من المتقحمين، لا تحسنُ الورودَ ولا الصدور، والاشتغال في (الدين) و(السياسة) من المرتقيات الصعبة، التي يتهافت عليها من لا يحسن قراءة أبجديتها، وتلك من الظواهر السيئة التي ربكت المشاهد، وكشفت عن الضعف، وجعلت أبا حنيفة يمد رجله ولا يبالي.
ومع أنني لم أوقع مع الطائفتين، ولا يمسني القول سلباً أو إيجاباً عن إحداهما أو عن كلتيهما، إلا أنني ألح على المصداقية والواقعية، وأكره التشفي، والإيغال في الذم دون مبرر. فنحن جميعاً في خندق واحد، ونحمل هماً واحداً، ومن التفاهة والسفاهة أن نصفي حساباتنا الوهمية من خلال قضايانا المصيرية.
وإذ لا نرتفع بأحد إلى ِسدَةِ العصمة، ولا نرى لأحد الحق في التسامي فوق النقد والمساءلة، فإننا في الوقت نفسه نرفض الوقيعة، والسخرية، والاستهزاء، والإسقاط، ونريد حواراً بعيداً عن تصفيات السمعة. فلقد وصف البعض (الوطن 6/3/1423هـ) لغة البيان (بالضعف اللغوي والركاكة الأسلوبية الظاهرين في كل فقرة منه) إلى أن قال: (بل لا أبالغ إن قلت إن أكثر من تسعين بالمائة من الجمل فيه تحتاج إلى إعادة صياغة لإنقاذها من الوهن). ويمضي الكاتب في سخريته المرة قائلاً: (وأنا أترك نسبة العشرة بالمئة الباقية لوجه الله تعالى). وفات الكاتب أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. فيما اتهم آخر موقعي البيان في نواياهم، واصفا البيان بالبهتان العظيم، وموقعيه بالمضلين والخادعين، مستثنياً طائفة من المجاملين، غير محدد لأحد من الفئتين (الشرق الأوسط 25/5/2002م). ولن أمضي مع زخات السخرية، ورجوم التهكم، ورد النصوص الشرعية، دون فهم للمحظور والمباح في التعامل مع الآخر: فاسقاً كان أو كافراً. ومع أن جانباً من الملاحظات اللغوية والأسلوبية والمضمونية قائمة إلا أن سوء الأدب، والاتهام السافر، والقذف الصريح، ولغة الانتفاخ والتعالي أفسدتها. وقد أوغل البعض في النيل من أحد الموقعين، محيلاً إلى مرحلة التشدد، مضخماً متطلبات (الولاء) و(البراء) و(الجهاد) التي تداولها السلفيون في فترات سبقت، ومع أن (الجهاد) و(الولاء) و(البراء) من صميم المشروع الإسلامي وليست لطائفة دون أخرى، فإن استدعاءهما في ساعة العسرة والجنوح إلى السلام نوع من الوقيعة، وكم هو الفرق بين استدراك العالم وشماتة الناقم، وفات المتسطحين أن الفكر السياسي الإسلامي ينطوي على تعدد المواقف بتعدد الأحوال، وأن للسلم مثلما للحرب قواعده وآلياته، فهناك نظام المعاهدين، وطرائق الجزية، وأساليب الجنوح للسلم، وضوابط سيادة الدولة في إطار التعددية الدينية، واختلاف دين دول الجوار. والنص القرآني لا ينهانا عن (البر والقسط) مع غير المحارب، كما أنه منعنا من التعدي، ولم يجعل لنا سبيلاً على من اعتزلنا، ولم يقاتلنا، وخفف عنا في حالة الضعف، ومن ثم أتاح لنا فرصة التعايش السلمي، والتحرف والانحياز، وحدد مفهوم التولي يوم الزحف، وقبل الزحف، ووضع ضوابط الجهاد والدعوة، ولن ندخل في التفاصيل، وتقصي متطلبات (آية السيف) ومنسوخها، والاختلاف حول (الإنساء) و(النسيان) و(النسخ المرحلي) و(النسخ الناجز)، والمحكم والمتشابه وخلاف العلماء حول (الصّغار) في دفع الجزية (وأضيق طريق) والعموم والخصوص، فتلك مهايع من الصعب الركض في فجاجها. والبيان مع ذلك يفتقر إلى الفكر السياسي الإسلامي، الأمر الذي حفز المتصدرين إلى التعديل والإيضاح، وحفز المجاملين إلى التسلل ولحس الإمضاء.
4/2/3 والمؤسف أن البعض من الموقعين تحت وابل النقد والضغوط لوّح بالتراجع عن توقيعه مبدياً الأسباب الحاملة على التراجع (الوطن 6/3/1423هـ). ومهما كانت الأسباب وجيهة، فإن التراجع في حد ذاته يهز شخصية المتراجع، ذلك أنه يجب ابتداءً عدم المجاملة في التوقيع على بيان سياسي بهذه الأهمية، ومن فئة على هذا المستوى، إذ من بين الموقعين أكثر من مائة أستاذ جامعي، خمسون منهم من جامعة الإمام، وخمسة وثلاثون من جامعة الملك سعود، والبقية من جامعات أخرى، وفيهم ثمانية قضاة، وأحد عشر طبيباً، وست عشرة امرأة، معظمهن أكاديميات، وعدد من المفكرين والمحامين والصحفيين، وثلاثة أعضاء من مجلس الشورى. وكان على الذين وقعوا، وهم بهذا المستوى أن يقرؤوا البيان كلمة كلمة، وألا يوقعوا إلا بعد قناعة ذاتية، إذ لم يشهر القائمون بإعداده وتمريره سيوفهم على الرقاب، وحين تكون المواقف ارتجالية وعاطفية من نخبة بهذا المستوى، وبذلك التعدد، فإن الأمر لا يليق من علماء وأدباء ومفكرين وقضاة وأكاديميين. وإذا تبين خطأ الفعل أو خطأ المضمون فعلى المقترف الاعتراف، وتحمل كل ما يترتب عليه من مسؤوليات، ذلك أن المغانم مع المغارم. فالذين ينشدون الآخرة أو زينة الحياة الدنيا، لابد أن يعرفوا أن الطريق إليها محفوف بالمخاطر والمكاره.
وإشكاليتنا أن المبادرات الشخصية والمجاملات تحكم الكثير من تصرفاتنا، بحيث تعن الفكرة لأحدنا ابتدارا أو محاكاة أو ردة فعل، فيستأثر بكل شيء، ولا يجد الوقت الكافي لطرح الفكرة على المشاركين، وتداولها مع طائفة ممن يثق بهم، وتشكيل فريق عمل متعدد التخصصات والتجارب، وفوق ذلك تحكم البقية المجاملة، فإذا قُدِّم لأحدنا بيان أو خطاب، لم يتردد في توقيعه، ظناً منه أن العلاقات الشخصية تقتضي الاستجابة الفورية. والبيان الذي استأثر بردود فعل حادة، وقعه العلماء والمثقفون والمفكرون بأسلوب (تمريري)، ولم يعايشوه من درجة الصفر، وتلك إشكالية، لم نتخلص منها، حتى في الأعمال الإدارية، فالفردية والمركزية ظواهر سلبية بادية للعيان، ومن الأجدى والأهدى ان نمتلك الشجاعة على التساؤل والتمحيص، وان نقول: (لا) بملء أفواهنا وبمحض إرادتنا، ويجب في قضايا الفكر والدين والسياسة ألا تأخذنا فيهما لومة لائم.
وحين اعتذرت عن التوقيع، لم أبال بالسخط، أو بالرضا، بل لم أفكر في شيء منهما، ولم أتوقع أن يكون سخطاً من أحد، ذلك ان طريق النجاة لم يكن محصورا في التوقيع، فما أكثر الطرق التي تؤدي الى النجاة، والذين يربطون صداقتهم بالمسايرة كما (شاعر غزية) لا يستحقون الاهتمام.
|