* واشنطن - إسلام آباد - العواصم - خدمة الجزيرة الصحفية:
بعد فترة طويلة من هجمات 11 سبتمبر فإن ضجة الإرهاب الصاخبة تتردد في العالم كله إلا أنه بالنسبة للمحققين الأمريكيين فإن مالا يسمعونه يكون غالبا مرعبا مثلما يقومون به.
إن الاتصالات بين الإرهابيين كما يقول فرانسيس اكس تيلور منسق إدارة مكافحة الإرهاب بالخارجية الأمريكية وصلت مستويات من المحتمل أن تكون بنفس الدرجة العالية التي كانت عليها في الصيف الماضي، وتواصلت الهجمات ففي شهر أبريل انفجرت شاحنة مفخخة يعتقد الآن أنها من تدبير إرهابيين على علاقة بشبكة القاعدة التي يتزعمها أسامة بن لادن. بعد اصطدامها بمعبد يهودي في جربا بتونس مخلفة 19 قتيلا من بينهم 14 سائحا ألمانيا.
وفي يوم 8 مايو قام مشتبه به في كراتشي بباكستان بالاصطدام بسيارته بحافلة عسكرية على متنها خبراء عسكريون فرنسيون مما أدى إلى انفجار السيارة ومقتل 14 شخصا.
الحيوان الجريح أكثر خطورة
والذين يترقبون بعصبية هجوما ثانيا من القاعدة على الولايات المتحدة ربما يكونون نسوا أن هذا قد حدث بالفعل ففي ديسمبر الماضي حاول ريتشارد ريد الذي كان يضع متفجرات في حذائه أن يفجر طائرة تابعة للخطوط الأمريكية فوق المحيط الأطلنطي في حادث اعتقد المحققون لفترة طويلة أنه من تدبير القاعدة وبرغم فشل هذه العملية فإن الإرهابيين لم يستسلموا لليأس.
وكما يقول جنرال القوات الجوية ريتشارد مايرز رئيس هيئة رؤساء الأركان المشتركة خلال الأسبوع الماضي إن القاعدة كحيوان جريح تعتبر أكثر خطورة للجميع مضيفا أنها ما زالت تمثل تهديدا حقيقيا.
وفي بعض الأحيان يكون التهديد صامتا وتعتبر التحقيقات حول هجمات 11 سبتمبر أكثر شمولا مما عرفه العالم فبعد الاطلاع على جبال من الوثائق التي تم الاستيلاء عليها في أفغانستان وبعد البحث في المئات من اسطوانات الكمبيوتر وبعد استجواب عشرات من معتقلي القاعدة لم يكتشف المحققون ولو مرجعا واحدا لمختطفي 11 سبتمبر، وتساءل ضابط كبير في مكتب التحقيقات الفيدرالي: أين الذكي من هؤلاء الناس؟ فبعد كل هذا الوقت لم نجد أية وثائق ولا أي شيء عن (الذكاء الإنساني). مما يثير إمكانية خيالية أكثر من غيرها: أنه قد يكون هناك تنظيم آخر للقاعدة جيد وصامت مثل الذي قام بالهجوم على مركز التجارة العالمي والبنتاجون لذا فإن هذا ما يفسر الأهمية القصوى لتثمين قدرات القاعدة حاليا.
ايقاف 1600 شخص
فتصور ما قد تقوم به القاعدة وإيقافه يتطلب مزيجا من العمليات العسكرية وعملا متواصلا من طرف الشرطة ومنذ الخريف الماضي تم إيقاف 1600 شخص يشتبه في تعاونهم مع القاعدة في 95 دولة، وأحيانا لا يجب عليك سوى الانتظار.
وتقول مصادر للتايم انه على سبيل المثال وبعد سنوات من الصمت بدأ أحد أكثر الشخصيات غموضا في شبكة القاعدة في التحدث مع مكتب التحقيقات الفيدرالي والمحكمة الفيدرالية الرئيسية فإيهاب محمد علي المعروف في صفوف القاعدة باسم النواوي، و هو مواطن أمريكي مصري المولد. عمل في منظمة بن لادن في السودان وأفغانستان بعد أن تلقى تدريبا على الطيران (لفترة طويلة حتى 1993) وفي نفس مدرسة أوكلاهوما التي تلقى بها زكريا موسوي المتهم الذي اعتقل قبل هجمات 11 سبتمبر دروسا في العام الماضي.
وقد عاد علي مؤخراً إلى الولايات المتحدة حيث عمل سائقا لسيارة تاكسي في أورلاندو بفلادلفيا، وتم إيقافه بعد تفجير القاعدة للسفارات الأمريكية في إفريقيا عام 1998 لكنه التزم الصمت، ومنذ ذلك الوقت ظل معتقلا بتهمة الحنث باليمين.
وإذا كان قد تحدث الآن فإنه ألقى بعض الضوء على الأيام الأولى للحملات الدولية للقاعدة، وهو يعتقد أن القاعدة لديها «عمليتين أو ثلاث» في مرحلة التخطيط، وكما أوضح فإن بعض خلايا القاعدة تظل نائمة وغير فعالة لفترات طويلة بينما يشرع الآخرون في الهجوم بدون انتظار لأوامر القيادة المركزية فانفجار كراتشي حسب كلمات مسؤول فرنسي كان إرهابا متحينا للفرصة استهدف غربيين معرضين للهجوم بينما كان التحضير للهجوم والهرب من الشرطة أسهل كثيراً منه في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن العمليات التي تحتاج تفويضا أعلى تحصل عليه.
مكان بن لادن والظواهري
وتعتقد المخابرات الأمريكية أن بن لادن ونائبه أيمن الظواهري - ديك تشيني القاعدة- مختبئان في الجبال الممتدة عبر الحدود الأفغانية الباكستانية وما زالا قادرين على إرسال الرسائل لأتباعهما واستقبالها.
وكما يقول مسؤول أمريكي: انهم يقضون معظم الوقت في الجري والاختباء لكنهم لا يقضون وقتا طويلا في التآمر والتخطيط.
إن تشعب شبكة الإرهاب المتطرف يجعل من الصعوبة بمكان الإحاطة بها. وإطلاق مصطلح القاعدة ليغطي كل الإرهابيين ربما يكون خادعا، ويتساءل مسؤول قضائي فرنسي من يقف وراء هجوم جربا؟ ومن قام بتمويل انفجار كراتشي؟ كل ما نعرفه أن هناك إرهابيين يميلون لممارسة نفس النوع من العنف بعض المجموعات جزء من القاعدة وأخرى متصلة بها وهناك آخرون بمثابة أتباع متعاطفين مع الرحالة منهم.
وهكذا فإنه لتأكيد التحليل فإن المسؤولين الباكستانيين حذرون من إسناد تفجير كراتشي للقاعدة رغم انهم يعترفون بأن مجموعات المجاهدين المحلية لها علاقات غير رسمية مع منظمة بن لادن الأكثر من ذلك ما أكدته تحقيقات الشرطة الألمانية أن الانتحاري الذي قام بعملية جربا كان مسجلا كمهاجر مغربي وقد عثر في منزله في ديسبرج على رقم تليفون رمزي بن الشيبه ويعتقد المحققون الأمريكيون أن بن الشيبه الذي ينتمي لخلية القاعدة في هامبورج هو العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، وكان مقررا أن يكون على متن واحدة من الطائرات في ذلك اليوم (هو لم يخطط مطلقا للحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة)، ومن المعتقد أن بن الشيبه غادر أوروبا إلى باكستان في الصيف الماضي.
خلايا القاعدة في ايطاليا
لماذا لا تكون هناك هجمات أخرى على غرار ما وقع في كراتشي وجربا؟ جزئيا بسبب القتال في أفغانستان حيث أصبحت القاعدة دولة داخل الدولة، وكما يوضح محقق إيطالي كبير في ميلانو فإن الحرب وجهت ضربة مؤثرة للشبكة هناك ونظرا لتدمير تسهيلاتها المركزية في المعسكرات الأفغانية فإن الخلايا الإيطالية أصبح عليها أن تحصل على قدر أقل من المساندة الميدانية (اللوجستية) كالوثائق المزورة والسيولة النقدية بعد أن عرقلت الاتصالات وتم تصفية الشخصيات الأساسية للقاعدة، وتشير التقارير إلى أن عبد القادر السيد مصري المولد الذي تقول السلطات أنها وجهت له تهمة المشاركة في عمليات القاعدة الإيطالية عام 2000 قد قتل في حملة القصف الأمريكي، وهو ما حدث أيضا لاثنين على الأقل من كبار قادة القاعدة المصري محمد عاطف الذي يعتقد انه أكبر قائد عسكري في القاعدة قتل في نوفمبر، وأبو جعفر الجزيري الرئيس الشهير للعمليات والتسهيلات الميدانية الذي يعتقد أنه قتل في يناير.
وربما يكون الأكثر أهمية من الجميع هو أبو زبيدة الذي أعتقل في مارس عقب معركة بالرصاص في فيصل أباد بباكستان في ختام مداهمة للشرطة هناك، وقد لعب دورا محوريا في كل من معسكرات القاعدة وعملياتها المتتالية، وكما يقول رولانجاكوا الخبير الفرنسي في الإرهاب فإن اعتقاله تسبب في ضربة هائلة وقوية للقاعدة، ويبدو أن أبو زبيدة كان مسؤولا عن تنظيم قواعد عمليات القاعدة في أوروبا وأمريكا الشمالية.
استجواب أبوزبيدة
ووفقا لما أكده مسؤول أمريكي فإن أحمد رسام صانع قنبلة القرن في قاعدة مونتريال في أواخر عام 1999 والذي اعتقل خلال محاولته العبور من كندا لولاية واشنطن بمتفجرات ومؤقت قنابل اعترف بأن أبو زبيدة خطط لعمليات القاعدة في الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر.
وعلمت المخابرات الأمريكية أن واحدا من الرجال الذين تمت مطاردتهم من قبل كين وليامز عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي كتب مذكرة في يوليو الماضي تدعو للانتباه لوجود متطرفين عرب يواظبون على مدارس أمريكية لتعليم الطيران تم التوصل إليه من خلال مكالمة هاتفية لأبو زبيدة وهذا الرجل تم إبعاده حاليا.
أما أبو زبيدة فمازال يخضع للاستجواب حاليا في مكان احتجازه السري وقد ساهم إفشاؤه لأسرار - بعضها غير حقيقي- حول العمليات المحتملة للقاعدة في إحداث مزيد من الضجة.
ضحايا الاناكوندا
في أفغانستان تفرق مقاتلو القاعدة الباقون إلى مجموعات صغيرة، ومنذ اشتباك القوات الأمريكية في مارس مع قوة ضخمة للقاعدة في عملية أناكوندا كانت هناك حملات قليلة مهمة وحتى في أناكوندا فإن أعداد القتلى كانت أقل كثيرا من المئات الذين زعم البنتاجون في البداية أنهم قتلوا.
وقد انتهت ثلاث عمليات قامت بها مشاة البحرية الملكية البريطانية في شرقي أفغانستان هذا الربيع بدون إيقاع العدو في المصيدة، وكما يقول مصدر استخباري مطلع في كابول: ربما من الآمن القول بأنه لا توجد هناك جماعات مسلحة لطالبان والقاعدة تزيد عن ستين شخصا.
إلا أن هذا لا يعني أن القاعدة قد انتهت فأبو زبيدة - كما تدعي بعض المصادر- تم استبداله بسيف العدل وهو ضابط جيش مصري سابق مطلوب القبض عليه لارتباطه بتفجير السفارات في عام 1998، وبعض المقاتلين أفلتوا بدون شك عبر الحدود ويحاولون إعادة التجمع في المناطق القبلية لباكستان وقد سمح الرئيس برفيز مشرف بوجود خبراء الاتصالات الأمريكيين هناك لمساعدة القوات الباكستانية.
وهكذا مثل مقاتلي القاعدة الذين يمكنهم الحياة من أجل القتال يوما ما فإن عملاء القاعدة في الغرب يعاودون التجمع ففي إيطاليا سلم أحد المحققين بأننا ما زلنا نكتشف أشخاصا جددا ونحتاج للتعرف على حقيقة أدوارهم وهذا يضع العملاء السريين والقضاة على خط المواجهة.
ويعتبر وليامز عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي في فونيكس أحد أكثر هؤلاء إصرارا ففي الواقع أن مذكرة وليامز تعتبر دراسة لقضية غير مرغوب فيها شملت البحث على نطاق واسع عن كيفية تكون شبكة المتطرفين الإسلاميين.
تحت المراقبة
وقد اتضح للعميل أنه بمتابعة عدد من الرجال العرب الشبان - وكما نشرت التايم- اثنان منهم حاصلان على إقامة دائمة في الولايات المتحدة - كانوا تحت المراقبة من طرف مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وطبقا لإخبارية بالصدفة اتضح أن أحد الرجال الذين كان وليامز يتابعهم هو زكريا مصطفى صبرا وهو طالب لبناني بجامعة إيمريرايد للطيران، وقد أعتقد وليامز أن بعض هؤلاء الرجال من المحتمل أن يكون لهم علاقة بالمهاجرين وهي مجموعة إسلامية متطرفة تميل للعنف يرأسها عمر بكري الزعيم الأصولي الذي يتخذ لندن قاعدة له.
ويرى محققون قضائيون فرنسيون وأسبان لديهم رؤية مستقبلية ان بكري باعتباره واحدا من ثلاثة من مسلمي لندن - الآخران هما: أبو حمزة المصري الذي يعظ في مسجد فينسبري بارك الشهير، وأبو قتادة الأردني الذي اختفى أواخر العام الماضي يعتبرون زعماء روحيين للقاعدة.
ويدعي جاكوار أن كل عملاء القاعدة الذين تم اعتقالهم مؤخرا أو تم اكتشافهم في أوروبا كانت لديهم اتصالات ببكري في وقت من الأوقات.
في المقابلة أطلق بكري على صبرا لقب «زعيم» المهاجرين في أريزونا لكنه أنكرأن يكون لصبرا أي روابط بالقاعدة أو بن لادن (لم يكن صبرا مدرجا في الدورات الصيفية لإيمري رايدل ولم تنجح كل الجهود في الاتصال به).
وقال بكري إنه يعتقد أن بن لادن رجل عظيم يسعى للحقيقة ومهموم إلى حد كبير بأحوال المسلمين لكنه شدد على أنه هو نفسه لا يقر هجمات 11 سبتمبر.
وسواء كان بكري ذا صلة قريبة بالقاعدة أو - كما يعتقد البعض- مجرد داعية عالي الصوت للمهاجرين في الواقع فإن بكري يدعي أن منظمته لديها مكاتب في21 دولة ولها وجود بكل تأكيد في الولايات المتحدة.
في بداية مايو نظم أنصار المهاجرين مظاهرة لتأييد شعب الشيشان أمام القنصلية الروسية في نيويورك، وفي 12 مايو عقدت مجموعة اجتماعا في جامعة بروكلين بمدينة نيويورك اكتمل بعروض فيديو تصور الفظائع المزعومة التي ارتكبت ضد المسلمين في العالم كله، وتحدث في الاجتماع فهد هاشمي وهو طالب أمريكي- باكستاني مشيداً بالطالباني الأمريكي جون ووكر لينده قائلا إن أمريكا متورطة بشكل مباشر في استئصال المسلمين وأنها أكبر إرهابي في العالم، إنها خطوة بعيدة من اجتماع طلابي إلى خلية إرهابية لكن بينما يحاول المحققون أن يختبروا ماذا تستطيع القاعدة أن تفعل الآن فإن المكان الأول الذي يتركز بحثهم فيه هو وسط المجموعات الإسلامية المتطرفة في الولايات المتحدة، وقد كان هذا - وبعد كل ما سبق- الرسالة الأساسية لمذكرة وليامز أحد جوانب الفضول حول هذه الوثيقة تدور حول من لم يكن واردا بها، ولم يوضح وليامز أنه كان من الواجب مراقبة هاني حنجور الذي كان مقيما في فونيكس ملتحقا بمدرسة لتعليم الطيران ويعتقد أنه قام بقيادة الطائرة التي اصطدمت بالبنتاجون في 11 سبتمبر.
وقد أكمل حنجور تدريبه على الطيران قبل أن يستكمل وليامز مذكرته لكن توقيت شروعه في التدريب يثير عدة أسئلة فقد كان حنجور شيئا غريبا بين الخاطفين التسعة عشر الذين كانوا مقيمين في الشرق الأوسط أو بين عرب الشتات في أوروبا قضى حنجور معظم العشر سنوات الماضية في الولايات المتحدة، وبدأ تعلم الطيران ليس قبل أحداث 11 سبتمبر بسنة كما فعل الطيارون الآخرون ولكنه فعل ذلك من قبل في عام 1996 ولكن مستواه لم يكن جيدا بشكل كاف، وقد تذكره دنكان هاستي رئيس مركز سي آر إم للتدريب الجوي في سكوتس دين بأريزونا بأنه طالب ضعيف وفقير وكان يبدو لي أنه غير متحمس للنجاح، هاستي كان مخطئا حيث ان حنجور كان في الواقع مصمما على تعلم الطيران حتى انه التحق بدورات تدريبية مرات ومرات.
ما الذي كان حنجور يفعله؟ هل كان يحلم بأن يحلق عبر سماء الجنوب الغربي الكبير أم أنه كان منتميا لمجموعة أخرى من عملاء القاعدة في أمريكا؟ تلك المجموعة التي تجمعت في وقت سابق وما زالت مهمتها غير معروفة؟ إذا كان الأمر كذلك فما الذي كان يخطط للقيام به من أجل القاعدة قبل أن يصبح أحد مختطفي 11 سبتمبر مع من وأين؟ الضجيج يمكن أن يكون مرعبا لكن الصمت مفزع أيضا.
*عن مجلة تايم الأمريكية |