* رام الله شهدي الكاشف وعماد الدريملي د ب أ:
يقول مقربون من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (73 عاماً) ان هذا الاخير اقام دولة نموذجية خلال فترة حصاره واسره داخل مقره في مدينة رام الله بالضفة الغربية، رغم إطباق الدبابات الاسرائيلية عليه منذ التاسع والعشرين من آذار/مارس الماضي في محاولة لاذلال قيادة الشعب الذي لم تستطع قهره بالتجويع والحصار والدمار والضربات الجوية، ويوجد داخل المقرالمحاصر نظام الحراسات والتغذية والنوم والماء والرعاية الطبية ومتابعة الاخبار وحتى اقتسام السجائر كونه عرفات من طاقم غير متجانس جمعته وحدة المصير والموقف والجوع والخوف تارة، والاصرار على الصمود والمقاومة تارة اخرى، تعصف بهم مشاعر شتى تحت ضغوط وحصار لم يعرف أن أي زعيم اخر قد تعرض لها في العالم.
غير ان اخر ما يتوقعه المرء في خضم هذه الازمة ان يقوم المحاصرون بالغناء في هذا المقر الرئاسي الذي يشغل من فيه العالم منذ اكثر من شهر. «شدوا الهمة.. الهمة قوية» و «حرسم اسمك يا بلادي على الشمس يلما بتغيب.. لا مالي ولا اولادي على حبك ما في حبيب». هذه الاغنيات الحماسية هي التي رددها نحو مائة وخمسين فلسطينيا محاصرين داخل احدى قاعات مقر الرئاسة الفلسطينية يوم (الثلاثاء) بعد تأكيد الانباء التي ترددت عن قرب ساعة الانتصار وفك الحصار عن مقرهم، ودوى صوت الاغاني الفلسطينية من داخل مقر عرفات وفي قاعاته المحاصرة عندما تمكن مراسل وكالة الانباء الالمانية من تأمين اتصال مطول مع بعض المحاصرين عبر جهاز اتصال لا سلكي من داخل المقر.
يقول احد المحاصرين ويدعى علي عبد الكريم ان «المعنويات عالية». فبعد اكثر من شهر اصبح «وعد الرئيس عرفات لنا بالخروج والنصر حقيقة نراها واضحة ونعد ساعات تحقيقها..» يقول علي، الذي يعمل في مجال الصحافة الرسمية. «اننا اليوم اقوى من قبل، فالشباب المحاصرون اقوى ومستعدين للبقاء مدة اطول دون ان يقدموا أي تنازل ..» وكان صوت الاغاني قد ارتفع مع دخول عرفات، الذي يتنقل بسترته المفتوحة وسلاحه على كتفه، احدى القاعات وهو يتفقد العشرات ممن بقوا في مقره المحاصر بالدبابات وهو يقول لهم «كيف المعنويات يا شباب..؟»
وقد غاب مشهد مقر الرئيس عرفات، الذي لا يعرف من بداخله ما لحق بشكله الخارجي من دمار وانفجارات وسواتر وحواجز جعلت من مقر المقاطعة الذي شكل في يوم من الايام مظهرا حضاريا لمدينة رام الله، باسواره ذات الحجر الجبلي ومبانيه القديمة، وكانه اشبه بموقع عسكري شهد معركة طاحنة. وحسب مرافقي عرفات فان ما يقرب من مائتي محاصر داخل مقر عرفات يعيشون اوضاعا «صعبة ولكنها تاريخية. لم يكن احدهم يتخيل يوما ان يمر بها». حسبما قال احدهم ويدعى رشيد. ويضيف رشيد «كنا قبل ذلك موقع حسد من زملائنا كوننا مقربين قلائل من الرئيس عرفات وفي مقر الرئاسة. ولكننا اليوم وبعد تلك اللحظات الصعبة التي مررنا بها نتمنى ان نعود سالمين إلى ديارنا لان في صدورنا قصص كثيرة لاطفالنا..». المقر كما يصفه مرافقو عرفات يتكون من مبنيين يربط بينهما جسر هو عبارة عن رواق معلق بين المبنيين والذي يتكون الاول فيه من طابقين هما عبارة عن قاعتين كبيرتين للاجتماعات والاحتفالات واللقاءات الرسمية يتجمع فيها الان اكثر من مائة وعشرين شخصا معظمهم من مرافقي وموظفي الرئاسة والإداريين وعمال المقر ومطبخ الرئاسة و«السفرجية» وبعض حرس الرئاسة.
اما المبنى الثاني فهو مكون من ثلاثة طوبق تضم مكتب عرفات ومطبخ الرئاسة ومكاتب الإداريين والأمن ومكاتب بعض المسؤولين الفلسطينيين المرافقين لعرفات ومستشاريه.
وكان قد زاد على هؤلاء العشرات من اعضاء الحملة الشعبية الدولية للتضامن مع عرفات الذين وصلوا إلى المقر في فترات متقاربة، وغادر بعضهم ولم يبق الان سوى عشرين شخصا منهم من جنسيات مختلفة.
وتحدث مرافقو عرفات عن الحياة اليومية داخل المقر لهذا الجيش الذي يتمتع بمعنويات عالية رغم الاوضاع الحياتية السيئة التي يعيشونها في ظل انعدام الغذاء والماء والدواء والمنام والوسائل الصحية كالحمامات.
يقول علي «ان عرفات وضع ومنذ الايام الاولى تقاليد ونظام الحياة في هذا المقر ولهذا الشعب واسقط فيه كل الحواجز.. فنحن نستيقظ في الصباح لتغيير مناوبات الحراسة على المداخل الرئيسية والسواتر على النوافذ المطلة على ساحات المقر، لا يفكر احدنا بقضاء حاجاته الطبيعية بشكل منتظم بسبب قلة المرافق الصحية بالمقارنة باعداد الموجودين، والاهم قلة المياه».
يقول علي ان الايام العشرة الاولى في الحصار كانت الاصعب «فلم نغسل وجوهنا، وكنا لا نشرب سوى مرتين في اليوم. ونأكل وجبة واحدة او وجبتين بشكل متقطع».
يقول احد مرافقي عرفات «بالامس وقفنا كطابور في احد هذه القاعات، وجاء احد ضباط المقر برتبة نقيب يحمل قدرين كبيرين وسار الطابور ليستلم كل منا فطوره بيضة واحدة ونصف رغيف» يؤكد بعض المحاصرين في المقر ان الاتفاق الذي وضع في المقر ينص على ان يتقاسم كل خمسة شبان كاس الشاي. وسيجارة لمن يدخنون بسبب منع الجيش الاسرائيلي ادخال السجائر.
ويقول علي «ان طعام الغداء يتقرر حسب وفرة الطعام. وعادة ما يتم تأخيره لان العشاء لن يأتي، فهو كما حصل يوم أمس جاء الضباط بقدرين واصطف الطابور نفسه ووضع احد الشبان بعضا من الارز في طبقي والاخر وضع بعض حبات الفاصوليا التي تم طبخها داخل المقر».
ويستذكر بالقول «ان الايام الثلاث الاولى التي شهدت اشتباكات عنيفة مع الجيش الاسرائيلي كانت الاصعب، وساعد عرفات بنفسه في نصب المتاريس واعادة ترتيب الغرف وتوجيه الرماة من القناصة.
ويؤكد المحاصرون ان عرفات قسم المتواجدين من حملة السلاح على ارجاء المقر. كما طالب الباقون من اداريين وعمال تنظيف وطبخ بالمساعدة في تعبئة خزائن السلاح الفارغة بالرصاص وتعبئة اكياس المتاريس بالرمال ومداواة المصابين الاربعة والتناوب على الحراسات والاستماع إلى الانباء.
يقول رشيد ان الرئيس عرفات كان الاصلب وهو يتابع انباء اقتحام مخيم جنين وقصف البلدة القديمة في نابلس. ونقل عن عرفات قوله لمقاتليه في احدى لحظات الاشتباك «نريد ان نعلمهم درسا اقسى من الدرس الذي اخذوه في جنين اذا اقتحموا هذا المقر..» ويستيقظ عرفات، الذي لم يمض يوم في ايام الحصار دون ان يتفقد الموجودين والمرضى، قبل الاذان ليقرأ بعض آيات القران الكريم ويؤم المصلين في مكتبه قبل ان يباشر اتصالاته بكافة المسؤولين ومتابعة اخر التطورات. ويقول مرافقوه انه كان الاهدأ في الازمات الاصعب وساعة الغضب. وفي توجيه الاوامر. كما كان هو الاقدر على رفع المعنويات بعد كل أزمة ومع سماع الموجودين لما تتعرض له بقية المناطق الفلسطينية وخاصة جنين.
اما اجواء الليل فهي الاصعب على المحاصرين في رام الله، ذات الاجواء الجبلية الباردة. وقد تقاسم كل ثلاثة لفرشة وغطاء واحد بعد الاسبوع الاول والذي كان الاصعب لعدم توفر وسائل النوم، حيث قضى العشرات الليالي الاولى قرب الجدران وقوفا او على الارض.
المحاصرون الذين سمعنا اصوات غنائهم باتوا مؤمنين بالنصر اكثر من أي وقت مضى، بكوا جميعا على صور القتلى في جنين، وصلوا صلاة الغائب مع عرفات على ارواحهم. يقول علي «اننا مستعدون للبقاء مدى الحياة مع الرئيس عرفات الذي وضع نموذجا ونظاما ودولة في هذا المقر.. ونحن لن نركع. وقد وصلنا إلى مرحلة نتمنى فيها الشهادة ونحن نسمع عرفات يرددها على مسامعنا. ولن نستسلم بعد كل ما جرى.. فقد وعدنا بالنصر والدولة وسنحقق ذلك ان شاء الله..» ويتمسك الموجودون داخل المقر باعتقادهم بأن معركة عض الاصابع بين عرفات وبين رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون، والتي دخلت الان شهرها الثاني، كانت معركة خسر فيها شارون ما قد لا يمكنه أبدا تعويضه هو ودولة إسرائيل رغم الخسائر الفادحة التي تعرض لها الفلسطينيون.
|