* بيروت الجزيرة جاك الخوري:
انشغل لبنان في الفترة الأخيرة بمسألة الخلاف الذي نشأ بين رئيس الجمهورية العماد أميل لحود ورئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، والذي خرج إلى العلن رغم تأكيد الرجلين المعنيين أن لا مشكلة شخصية بينهما.
وكثرت في الصحف ووسائل الإعلام اللبنانية التحاليل والأخبار حول المسألة التي نجحت في اجتذاب اهتمام داخلي فعلي، خصوصاً بعد هدوء الأوضاع إلى حد ما في الجنوب وفي مزارع شبعا.
وكاد الخلاف بين الاثنين أن يحول دون مشاركة الرئيس الحريري في استقبال الرئيس الأوكراني الذي زار لبنان مؤخراً، وقيل ان رئيس مجلس النواب نبيه بري بذل جهوداً في الساعات الأخيرة قبل الزيارة لإنجاحها.
وبغض النظر عن هذه المسألة، يبدو أن الخلاف كان موجوداً ولكن بشكل مستتر إلا أن الرئيس الحريري أخرجه إلى العلن من خلال مقابلة اجراها مع احدى المحطات المحلية وقال فيها كلاماً حول الصلاحيات الدستورية لكل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والعلاقة التي تحكمهما دستورياً.
وأشار إلى أن رئيس الحكومة غير ملزم تجاه رئيس الجمهورية إنما تجاه النواب ومجلس النواب، وأعطى سببين يمكن من خلالهما اعتبار اسقاط الحكومة، إذ يحق للنواب طرح الثقة بالحكومة وبالتالي اسقاطها إذا لم تكسب الأصوات، ويحق لرئيس الحكومة تقديم استقالته فتعتبر الحكومة بأكملها مستقيلة.
ولفت البعض إلى أن ما اغفل الرئيس الحريري قوله حول استقالة الحكومة هو سبب ثالث يمكن للقوى الفاعلة أن تلعب دوراً أساسياً من خلاله في اسقاط الحكومة، وهو تقدم ثلث أعضاء الحكومة (أي عشرة نواب في الوضع الحالي للحكومة) باستقالتهم، فتعتبر الحكومة مستقيلة. وعلى الرغم من عدم رد الرئيس لحود على المسألة، إلا أن المادة شكلت بذاتها مادة دسمة للنواب والمحللين والقانونيين الذين تباروا في ابداء الآراء القانونية والسياسية حول المسألة.
إلا أن ما اتفق عليه الجميع، كان ان البلد يمر بفترة حرجة على غرار المنطقة بأكملها، وأن أي خلاف ليس في محله وهو سيؤدي بلا شك إلى اضعاف الموقف اللبناني وتحويل الأنظار عما يجري اقليمياً.
غير أن العتب بقي وجاء على لسان قريبين من كل من الرئيس لحود والرئيس الحريري، حيث اعتبر البعض أن زيارة رئيس الحكومة إلى واشنطن لم تكن في محلها ووقتها، وخصوصاً أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول كان قبل ساعات في بيروت وأجرى محادثات في قصر بعبدا (مقر رئاسة الجمهورية)، وفي السراي الكبير (مقر رئاسة الحكومة) ولم يكن بالتالي هناك أي ضرورة لهذه الزيارة، إذ لم تؤد إلى أي تغيير في المواقف ولم تأت بجديد على الصعيد السياسي أو على الصعيد الاقتصادي، لا بل على العكس إذ أثار ما قاله الرئيس الحريري حول مسؤولية مجلس النواب في تأخير موضوع الخصخصة، عاصفة من الأقاويل والجدال وامتعاض بعض النواب.
كما كان لغياب وزير الخارجية محمود حمود عن الزيارة في ظل حضور وزراء آخرين، تأثير سلبي.
في المقابل، دافع القريبون من الرئيس الحريري عن زيارته ولفتوا إلى أن طلب موعد للزيارة لم يقدم منذ أيام أو ساعات، بل منذ أربعة أشهر والإدارة الأمريكية هي التي حددت الموعد، ومن الصعب بعدها لأي كان تحديد موعد آخر في حال تخلف عن الزيارة المحددة.
وتابعوا ان الزيارة كانت أصلاً ذات طابع اقتصادي لمساعدة لبنان على تخطي أزمته الحالية وتجديد ثقة البنك الدولي به وبالخطوات التي تتخذها الحكومة. كما أبدوا امتعاضهم الشديد حيال كل ما قيل في الإعلام عن فشل الزيارة.
وبعد لملمة المسألة وطي معضلة استقبال الرئيس الأوكراني حيث ظهر الجميع (على الأقل علنياً) في موقف المصالحة والانسجام، كانت جلسة مجلس الوزراء التي أدرج على جدول أعمالها مسألة خصخصة الهاتف الخليوي وحل الإشكال مع شركتي «ليبانسيل» و«سليس» اللتين تتوليان حالياً إدارة هذا القطاع، ساحة جديدة للخلاف في وجهات النظر.
وكعادتهما، التقى الرئيس لحود والرئيس الحريري قبل الجلسة لفترة من الوقت، إلا أن هذه الخلوة اختلفت عن سابقاتها. ففي حين كانت الخلوة رسالة حول الاتفاق على المواضيع، لم تؤد هذه المرة إلى اتفاق، وهو ما عكسته الجلسة وما تخللها.
وعلمت «الجزيرة» من مصادر مطلعة أن الرئيس الحريري نفى أي ارتباط أو مصلحة شخصية له في موضوع الخليوي، وأعرب عن تأييده لبقاء الشركتين على حالهما ريثما يتم التحضير بشكل كاف لتولي الدولة هذا القطاع بعد فسح عقد الشركتين (كما كان أقر مجلس الوزراء)، فيما أصر الرئيس لحود على وجوب إنهاء هذه المسألة التي أصبحت تعل وامتدت وقتاً كافياً، وهي تؤدي إلى خسارة الخزينة أموالاً طائلة.
وما عزز وجهة نظر الرئيس لحود، تقدم شركتي الخليوي بتسوية تقضي بدفع مبلغ ملياري دولار إلى الدولة لإنهاء الخلاف والابقاء على ادارتهما لهذا القطاع للسنتين المقبلتين. ويكفي التأمل في حجم المبلغ لإدراك الأموال الطائلة التي يدرها الخليوي والذي يمكن للدولة استغلاله والإفادة منه بأفضل الوسائل. وأضافت المصادر نفسها أن التسريبات التي اثيرت حول تأييد الرئيس لحود خفض قيمة الليرة وأوجب نفياً من المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية، كان دليلاً اضافياً على مدى تأزم الأوضاع والخلاف، وذهب البعض إلى الربط بين هذا التسريب وخبر اتصال الأمير الوليد بن طلال بنائب رئيس الحكومة عصام فارس، وهو الذي يثير حساسية لدى الرئيس الحريري. غير أن مراقبين استغربوا هذا الربط، ولفتوا إلى أن الرئيس لحود ليس بوارد الدخول في هذه اللعبة في الوقت الراهن، فهو ليس لجهة الوقت (لا يزال في منتصف ولايته) وليس من المستبعد امكان التمديد أو التجديد، كما أنه ليس في حاجة إلى هذا النوع من الضغط.
ويمكن القول إن هذه المعطيات لا يمكن أن تؤدي إلى تفاؤل في وحدة الصف اللبناني في هذه الفترة الحرجة، إلا أن البعض يملك رأياً مغايراً، إذ يعتبر أن هذه الخلافات فتحت «طريق الحل» أي وجوب الاحتكام إلى الدستور والمؤسسات لحل الإشكالات الخلافية بين الرؤساء، ما يعني عملياً إنهاء مشكلة «خلاف الرؤساء« بشكل نهائي في حال تم الاتفاق على الاحتكام إلى الدستور (وهي رغبة الرئيسين)، وطي صفحة طويلة من تاريخ الخلافات الرئاسية التي يحفل بها تاريخ لبنان منذ استقلاله وحتى اليوم.
|