|
الكتابة، صحفية كانت أم أدبية أم نقدية، تظل شاغلاً مقلقاً لكل من دخل أجواءها يوماً ثم توقف. قد نتمكن من تناسيها مؤقتاً بوضعها في درج ما، لكن الهموم التي تحركها سرعان ما تخرج العفريت من قمقمه ليعود القلق من جديد.
في جزر تشتعل فيها النيران. ومع ذلك فإن الصورة ليس بالعتمة التي تحتاج معها إلى كل تلك النيران (وليس ذلك مقصود الرحبي كما أظن). نعم هناك لحظات مظلمة لا أعتقد أن أحداً ممن يكتبون بجدية يستطيع الهرب منها، أقصد لحظات اليأس من إمكانية أي شيء، اليأس من أن لا أحد هناك يستجيب. لكن تلك اللحظات رغم ثقلها تثبت أنها خفيفة هشة الحضور بمجرد أن يتصل صديق ليعلق على مقالة، أو يصادفك من تعرف، بل ومن لا تعرف وهو الأجمل، لكي يشير إلى أنه متابع لما تكتب. فعلى قلة هولاء وأولئك، فإن الواحد منهم بكلماته المطمئنة قادر على شحنك بثقة تكفي لكتابة العديد من المقالات وتحدي كل مثبطات النشر. تلك الشحنة هي التي عملت هنا على عودة المحاولة أو محاولة العودة. ولم تكن هناك حاجة للبحث عن قضايا أو هموم لملئ المساحة التي تعنيها العودة، فالهموم هي التي يضرب المثل بكثرتها، والسنوات الثلاث أو الأربع التي مرت منذ آخر مقالة كتبت في هذه الزاوية محتشدة بالكثير، والفترة التي نعيشها حالياً تحتشد بالكثير أيضاً، ناهيك عن المستقبل إن قدر الله لنا أن نراه. الصعوبة ستكون في اختيار ما يلائم وطرحه على النحو الملائم أيضاً، فثمن القراء غال كما ذكرت قبل قليل، وليس أسهل من تنفير القارئ المميز وأصعب من اجتذابه والتحاور معه. أقول ذلك من موقعي كقارئ قبل أي شيء آخر، قارئ يدرك «ثقل دم» أو فراغ الكثير من الزوايا (ومن المفارقة أن الزوايا عادة تكون فارغة، أو محشوة بالتحف الجامدة!). فما أصعب العثور على ما يغري بالقراءة باستمرار، إذا استثنينا الكتابات التي تعتمد على موهبة كوميدية تلفت النظر بخفتها وما فيها من إضحاك. لكن طرح القضايا الجادة غالباً ما يؤدي إلى شيء من الاثقال على القارئ، ذلك الكائن المنقرض، وزيادته انقراضاً. فكثيرة هي الكشاوى التي سمعتها عبر الأعوام التي كتبت فيها زاوية ما من «صعوبة» ما أكتب، مع أنني متأكد أن التهذيب وحده منع الكثيرين من وصف ذلك بثقل الدم أو على الأقل التعقيد الذي لا مبرر له. في ما يلي من مقالات لن أدعي قدرة تفوق ما كان لدي، بل إني أخشى انحداراً في تلك القدرة وغرقاً من ثم في الموضوعات والأساليب المنفرة. كل ما أستطيع الوعد به هو المحاولة الجادة لتقديم ما يغري بالتفكير والمتابعة، حتى وإن كان معنى ذلك «بيع العقل بالمزاد العلني» كما تقول دكنسن، أو العزف في جزر مشتعلة. |
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة] |