حقيقة يصاب الانسان بالدهشة والفزع وهو يرى شخصا يتقطع غضبا من أجل شيء هين لا يستحق شد الاعصاب واستثارة المشاعر ويتكرر المشهد بكثرة وفي أكثر من مكان مما يوحي بسؤال عما إذا كان الغضب يزيد وينقص بحسب النسيج الاجتماعي. أعرف ان الغيرة والخوف وربما الغضب كلها غرائز متأصلة في الناس ونحن بتعاملنا ننميها بل ندفع بها لتبلغ قمة الهرم كما نفعل لغريزة الخوف مثلا.
المجتمع في نظري هو المسؤول الأول تجاه دفع هذه الغرائز الثلاث غيرة والخوف والغضب لتأخذ أحجاما وإزاحة أوسع في دواخلنا ومنبع عداوات وقلق لأصحابها وللوسط الذي يعيشون فيه.
هذه الابعاد الثلاثة أصبحت امراضا اجتماعية تحتاج الى مناصحة ومكاشفة لاتقاء نتائجها السلبية والحديث حولها ذو شجون لكني سأركز على أحدها وهو الغضب الذي أراه استشرى وطال واستطال إثارة وشحناء وتأزيما داخل البيت والشارع ومحلات البيع فقلَّ أن تمشي هنا أو هناك إلا وتجد شخصا أو اشخاصا تظهر على تصرفاتهم وسحناتهم علامات التذمر من كل شيء فكل أمر يحنقهم وكل كلمة تصل الى مسامعهم هم لها بالمرصاد يفسرونها حسب المزاج ويسيئون الظن بالثاني فيحتدم النقاش وتعلو الأصوات فتنغض المشكلة رأسها. هذه الحساسية والحساسية المفرطة هل تعني ضعف الثقة بالنفس او أنه بحكم التنشئة كبرنا وفي جوفنا بركان يتأجج وجاهزية للمخاصمة والملاعنة والتشابك بالعصي وربما بالسلاح.
دعنا نفتش عن أسباب لهذا الانفعال السريع والبركان الثائر فهل للتربية والتنشئة دور رئيس في اضرام نار الغضب داخل القفص الصدري؟ هذا احتمال فالتعامل مع الصغار هو البذرة الأولى لتأسيس حياة سوية أو تأزيم نفسياتهم حتى إذا كبروا صارت أقرب الى الاحتراق عند كل قول أو فعل يصادف طريقهم ودعنا نتحدث بوضوح اكثر فنقول ماذا يفعل الأب في بيته ماذا عن تعامله مع ابنائه وزوجته هل يرفع عقيرته ويمد لسانه وينهر بعنف ويشتم والأم كيف تعاملها مع الصغار ومع والدهم والمعلم في مدرسته في معهده في جامعته اذا تكلم هل هو الثاني يرفع الصوت ويقطب الجبين ويحمِّر العين إذا كنا كذلك فلن نمنح المجتمع إلا أولادا وبنات مشحونين بالعقد النفسية يغضبون لاتفه الأسباب يجادلون ويشتمون ويتطاولون على الآخرين بألسنة حداد لا يقدِّرون ولا يرعون لأحد قدرا، همهم تدمير الخصم والانتقام لأنفسهم بسبب وبدون سبب ولهذا جاءت السنة المطهرة ناهية عن الغضب لما يجلبه على الناس من الويلات والحسرة وقد ورد في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة» قالوا فالشديد أَيُّمَ هو يا رسول الله؟ قال: «الذي يملك نفسه عند الغضب».
كذلك عندما استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
والله سبحانه وتعالى أمرنا بكظم الغيظ {وّالًكّاظٌمٌينّ پًغّيًظّ وّالًعّافٌينّ عّنٌ پنَّاسٌ وّاللَّهٍ يٍحٌبٍَ پًمٍحًسٌنٌينّ } [آل عمران: 134]
فالعبوس واشاحة الوجه عن الآخرين واطلاق الكلام على عواهنه كلها عوامل إثارة ومناخ ملائم وبيئة مناسبة لتفريخ البغضاء والحقد وإثارة النفوس وجعلها في درجتها القصوى من الاستشاطة وحب الثأر، وكلنا نعرف ان الغضب مسلك ومنحدر خطر لخلق الفتنة واشعالها والشيطان يزكيها والغضب له قوة ويوصف بالجمرة المتوقدة واطفاؤها بالوضوء كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والقعود إن كان قائما والاضطجاع إن كان قاعدا والاستعاذة من الشيطان الرجيم، والواقع انه ما ان تزول الغمة وتعود الأرجل لمكانها الصحيح حتى يبدأ الندم وهنا ندعو الى التفكير في العواقب وتطبيق الاحكام الشرعية في أقوالنا وافعالنا وان توجد القدوة في البيت والمدرسة والادارة حتى يمكن ايجاد تنشئة متوازنة تفكيرها يسبق اقوالها وافعالها متحدة ومتسقة مع النهج الاسلامي والله يقول: {خٍذٌ پًعّفًوّ وّأًمٍرً بٌالًعٍرًفٌ وّأّعًرٌضً عّنٌ پًجّاهٌلٌينّ} [الأعراف 199]، {وّإمَّا يّنزّغّنَّكّ مٌنّ پشَّيًطّانٌ نّزًغِ فّاسًتّعٌذً بٌاللَّهٌ إنَّهٍ هٍوّ پسَّمٌيعٍ پًعّلٌيمٍ } [فصلت: 36].
وهذا خير دليل يستدل به المسلم في حياته كي يرقى ويسمو بآداب الإسلام ويسعد في دنياه بعيدا عن مواطن الزلل وبواعث الفتن.
والله الهادي الى سواء السبيل.
عبدالله بن عبدالرحمن الغيهب |