Thursday 31th January,200210717العددالخميس 17 ,ذو القعدة 1422

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

ليس إلا
قراءة في وجه الشمس 6
خالد العوض

«رغم أنني شعرت بالاستياء من آراء الآنسة هاريسون، وأساليبها التعليمية، إلا أنها على الأقل امرأة غربية تنحاز إلى ناوومي، وتقول عنها إنها ذكية. وهذا ما كنت آمله، وقد سررت، رغما عني، كما لو أن السيدة هاريسون تمتدحني أنا شخصيا. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إنني شعرت بالضعف، مثل معظم اليابانيين، عندما يواجهون الغربيين، وفقدت شجاعتي في التعبير عن وجهات نظري بوضوح ، ولم أقل ما كان ينبغي أن أقول» جونيتشيرو تانيزاكي .
<<<
«قبل الحرب كان الكتاب اليابانيون يقدمون الحياة الخام للمجتمع الياباني بتقاليده الخاصة، أما اليوم فالشعب الياباني يشعر بالحرية. أصبح الناس ماديين وأغنياء ولا يريدون شيئا سوى الاستمتاع بالحياة لأقصى حد، لكن كل هذا الاستمتاع والحرية اصطناعي زائف . هذا ينعكس أيضا على الكتاب فليس هناك مادة خام يكتب عنها لأن حياته أيضا أصبحت اصطناعية وزائفة وطعاماً معلّباً. لهذا وصلت إلى الاقتناع بضرورة البحث عن شيء أصيل في مجتمعنا . أريد أن ألمس النار، لكن لا نار في حياتنا الحاضرة. من هو الشخص في الأسطورة اليونانية الذي أخذ النار من الجبل؟ نعم، بروميثيوس . أنا أريد أن أكون بروميثيوس» يوكيو ميشيما.
<<<
عرفنا في مقال سابق أن هناك أديبين يابانيين قد حازا على جائزة نوبل في الأدب هما كاواباتا صاحب «الجميلات النائمات» وكنزابورو، غير أن الحديث اليوم عن كاتبين روائيين مهمين في الأدب اليابني هما تانيزاكي Tanizaki وميشيما Mishima وسنركز على الأخير هذا الذي قال عنه كاواباتا نفسه إنه أكثر موهبة منه وهو من الكتاب الذين لا يأتون إلا مرة كل ثلاثمائة سنة .
يبين تانيزاكي في الاقتباس الأول أعلاه والذي أخذ من روايته «عشق الأبله» والتي ترجمت إلى اللغات الأوروبية تحت اسم «فتاة اسمها ناوومي» مدى الضعف الذي يعتري الشخصية اليابانية في تعاملها مع كل ما هو غربي. هذه الرواية تتحدث بشكل واضح عن أثر انجراف الشباب الياباني نحو الحياة الغربية ومحاولتهم تقليد كل ما هو امريكي وابتعادهم عن التقاليد اليابانية، أي أن الأدب هنا جاء لكي يثبت الواقع الذي تحدثنا عنه في المقالات الثلاث الأولى من هذه السلسلة .
أما، ميشيما، صاحب الاقتباس الثاني أعلاه، فهو أهم كاتب ياباني على الإطلاق حاول أن يبين خطر مثل هذا التوجه، أي تقمص الحياة الغربية والمتمثلة في أمريكا التي خاضت معها حربا راح ضحيتها آلاف اليابانيين. لم يكتف هذا الكاتب باستخدام رواياته وقصصه وأشعاره في الدعوة إلى العودة إلى الجذور اليابانية وشخصيتها المستقلة ونبذ هذه الحياة الاصطناعية الزائفة القادمة من الغرب، بل انه حوّل حياته كلها إلى نوع من الرمز للشخصية اليابانية حيث مات على الطريقة اليابانية والمنتشرة بين طبقة الساموراي Samurai الحاكمة في عهد اندو حيث يشق المحارب الياباني بطنه بنفسه بالسيف بشكل أفقي من اليسار إلى اليمين ثم يشقه إلى أعلى من بعد ذلك، وهو ما يعرف بأسلوب السيبوكو أو الهاراكيري Hara Kiri .
ميشيما الذي يعتبر عند اليابانيين مثل أرنست هيمنجواي عند الأمريكيين كتب العديد من الروايات القوية لعل أهمها آخر ما كتبه وهي ثلاثية «بحر الخصوبة» والتي انهاها قبل أن يشق بطنه بالسيف أمام أكثر من ألف عسكري كانوا يسمعون خطابا عاطفيا ألقاه أمامهم بعد أن سيطر على مكتب الجنرال العسكري في أحد المواقع العسكرية الرئيسة في طوكيو عام 1970م .
انتقد ميشيما في خطابه هذا الذي استمر أكثر من عشر دقائق هشاشة الدستور الياباني بعد الحرب العالمية الثانية الذي يمنع الحرب، وقد تفاجأ اليابانيون من هذا الحدث الكبير إلى الدرجة التي أعلنوا فيها حالة التأهب لمواجهة ما قد يخلفه مثل هذا الأمر من احتجاجات وأعمال عنف، كما أنهم أرسلوا تطمينات إلى حلفائهم خارج اليابان يهمّشون هذا الحدث ويقللون من أهميته .
لقد كان ميشيما ممزقا بين الشرق والغرب فقد كان يسكن فيلا ايطالية فاخرة، كما أنه أرسل زوجته إلى مدرسة طبخ غربية ويتصل مع الغربيين من دون أية مشاكل، لكن رواياته كانت في الوقت نفسه مليئة باحتقار كل ما هو غربي في اليابان إذ أنه يرى أن التأثير الغربي قد أفسد اليابان وسلبها روحها الصافية وقيمها الماضية .
يمثل الدم والإغراق الكامل بالموت أحد أهم الأفكار الرئيسة التي تمتلئ بها الروايات اليابانية ويمتد ذلك أيضا إلى حياة الأدباء أنفسهم ، ليس فقط عند ميشيما، بل إن هناك أدباء آخرين قضوا نحبهم بأيديهم وبنفس الطريقة وهم صاحب نوبل كاواباتا، وأكوتاجاوا Akutagawa ودازاي Dazai الذي فشل ثلاث مرات قبل أن ينجح في المرة الرابعة.
هل هذه النهاية المأساوية لهؤلاء الأدباء ردة فعل حقيقية للسيطرة العسكرية والثقافية للغرب والمتمثلة بأمريكا أم أن الأمر فقط فراغ روحي ليس إلا !

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىmis@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved