* القاهرة طه محمد:
مثلما تتعدد التحديات أمام الواقع العربي فان الثقافة العربية تواجه متغيرات مماثلة.. ربما تكون نابعة من كيانها القائم حالياً. والانبهار بثقافة الآخر يكاد يشكل علامة بارزة في أوساطنا الأدبية، بعد ان كانت ثقافتنا العربية راسخة الجذور تقف من الآداب الاخرى موقف اعتداد ومنافسة.
حول هذه المحاور وغيرها يتحدث الشاعر المعروف فاروق شوشة ل(الجزيرة) حيث يشدد على ضرورة وجود صياغة عربية للنظريات الغربية في مجال الابداع والنقد وبزوغ حركة نقدية عربية تساهم في فتح قنوات للاتصال بين المتلقي والمبدع بعد ان اصبحت تنافسه من داخل البيت العربي فنون اخرى وهذا نص الحديث:
أزمة الضاد
* البعض يرى ان اللغة العربية في أزمة شديدة اليوم وانها لم تصبح لغة الخطاب العام فما تفسيرك لهذه الأزمة القائمة؟
لابد ان نعترف اولا بانه منذ منتصف الخمسينيات ضربت اللغة العربية في مقتل، عندما اصبحت العامية هي لغة الخطاب المستخدم على مستوى الدولة، فأصبحت اللغة في المحافل غير النصوص المكتوبة التي يتم الخروج عنها أيضاً مما جعل الناس يحسون انه بالعامية يمكن ان يقضوا كل حوائجهم وان حاجتهم الى دراسة الفصحى غير ضرورية ما دامت العامية معترفاً بها وقادرة على التعبير وتستخدم في كل مكان.
كما انه لم تعد هناك القدوة كما كنا نرى في الزمن الماضي حيث كان السياسي خطيباً والذين استمعوا الى سعد زغلول يتكلمون عن فصاحته وبلاغته ومصطفى كامل وغيرهما فكانت الفصاحة شيئاً مألوفاً الآن اذا تكلمنا عن شخص يجيد الحديث بالعربية كأننا نتكلم عن ظاهرة خارقة.
وهناك عوامل تتأثر بها اللغة أحدها هو الكسب الخارجي أي ما يتسرب اليها من لغات اخرى، ثم يتأصل فيها ويصبح جزءاً ثابتاً منها ومن هنا فقد استقرت في لغتنا الجميلة، الفاظ وتعابير وأوضاع على توالي العهود فأصبحت بمنزلة الفصيح من كلامها ونستعملها نحن في نثرنا وشعرنا دون ان نحسها غريبة عنا، بل ان بعضها قد غلب على ما يقابله من لفظ عربي سابق واقصاه عن الاستعمال.اما العامل الثاني فهو التولد الخارجي وهو ما ينشأ في اللغة عفواً أو قصداً أو تسوق اليه الحاجة سوقاً طبيعياً دون تكلف الدرس أو البحث فيجري على ألسنة الناس وأقلامهم منبعثاً عن سليقة لغوية يستجيب لها الجمهور في أغلب الأحيان.
الشعر والفنون الأخرى
* الشعر العربي يشهد تراجعاً في العصر الحالي كما يرى البعض ربما لم يشهده من قبل، وهناك محاولات للهجوم عليه والنيل من مكانته، فما تفسيركم لهذه الأوضاع وهل تراجع الشعر بالفعل؟
الشعر العربي المعاصر يتعرض لحملة تمييع في دلالة المصطلح وفي دلالة الشعر وهناك من يزعم ان الشعر قد تراجع وانتهى زمانه وان هذا العصر هو عصر الرواية واصلاح هذه الاوضاع يحتاج الى تصحيح مفهوم العلاقة بين الشعر والجمهور ووضع هذه العلاقة في اطارها الصحيح لأنه بدون شك فإن هناك علاقة ضامرة وسيئة بين الشعر والجمهور ولابد من تحديد المسؤول عن هذا الضمور، هل هو الشاعر ام الظروف الاجتماعية.
* وما رأيك في مقولة ان الرواية حلت محل الشعر وأصبحت ديوان العرب في هذا العصر؟
لقد بدأ بعض النقاد العرب يرددون فكرة مؤادها اننا نعيش عصر الرواية لا عصر الشعر واستشهد البعض بمقولة قديمة لعميد الرواية العربية نجيب محفوظ نشرها في مجلة الرسالة في منتصف الاربعينات مؤداها ان الشعر سار في عصر الاساطير والفطرة وفاز محفوظ بجائزة نوبل بعد ثلاثة وأربعين عاماً من اطلاقه لهذه المقولة وأصبح البعض يصنف زماننا بانه زمن الرواية ويتحدث عنها البعض باعتبارها ديوان العرب المعاصرين وهو قول لا نخوض في صحته أو عدم صحته، بقدر ما نشير الى ان كلاًّ من الشعر والرواية يواجه أزمة حاجز الأمية في المجتمعات العربية وأزمة وصول الكتاب الى قارئه، وقدرة هذا القارىء على تملكه أو قراءته وأزمة طغيان الفنون الأحداث والاوسع انتشاراً وشعبية مثل الدراما التلفزيونية العربية.
ومن هنا فقد ارتبك المتلقي في استقباله للفنون الأدبية الأمر الذي يجعلنا نبحث عن أسباب هذا الارتباك.
* وإلام ترجع هذا الارتباك في استقبال المتلقي للفنون الأدبية، واصطدامه بالفنون الاخرى والاوسع انتشاراً كالاغنية والتمثيلية الاذاعية والتلفزيونية؟
أؤكد ان الشعر العربي يحتاج الى وسائط متعددة لكي يصل الى الجمهور فهو بحاجة الى مجلة أو مجلات متخصصة تواكب الابداع الشعري والابداع النقدي في الشعر وتمثل حاضر الحياة الشعرية العربية وتحقق التواصل بين المبدعين من الشعراء العرب والجمهور الاساسي للشعر على امتداد الوطن العربي وتضع الشعر العربي على خارطة الشعر العالمي.
ان الشعر يحتاج الى ان يقوم الاذاعيون العرب في الاذاعات المسموعة والمرئية بدور أكثر وعياً ونضجاً واستنارة في توصيل الشعر العربي الى الجمهور من خلال المفهوم الصحيح للابداع الشعري في كل تجلياته.
ان المطلوب توسيع فضاء التنوير وانضاج الوعي لدى الجمهور العربي بقضايا الوجود والمصير الانساني باعتباره فناً للصحو واليقظة وهو دور شريط الكاسيت واقراص ال(سي. دي) والانترنت لتكون هذه القنوات وسائط حقيقية للشعر والاتصال الحي بحاضر الابداع الشعري العربي والعالمي وتهيئ لبزوغ مواهب شعرية عربية جديدة.
والواقع ان الشعر العربي في علاقته بالجمهور محتاج الى حشد كل القنوات من اجل وعي اعمق وعلاقة أوثق، محتاج أولا للقضاء على عار الأمية بمعناها العام في مجتمعاتنا العربية جميعها وعار الأمية المتخصصة بمعناها الخاص.
الثقافة العربية
* كيف ترصد أوضاع الحركة الثقافية الحالية في العالم العربي من وجهة نظرك؟
أعتقد ان الحياة الشعرية العربية المعاصرة تفتقد الدور النقدي المواكب والمؤازر الذي مارسته التقاليد النقدية والبلاغية العربية بدءاً من عصر الاسواق العربية في القديم والملاحظات الجزئية لمن يجلس للتحكيم بين الشعراء وصولاً الى الانشغال بقضية اللفظ والمعنى في تراثنا العربي وآراء القدماء في وظيفة الشعر والحديث عن المبالغة والاغراق والغلو والتخيل وصولاً الى فكرة النظم عند عبدالقاهر الجرحاني الذي يرى البعض انها تطابق ما يطلق عليه الغربيون (علم التراكيب) فضلاً عن الانشغال بالصورة الأدبية التي هي تقويم الكلام بالعلاقات في التركيب وتقويم الجمال وصلته بالمضمون.
وأرى أن الحركة الثقافية في العالم العربي هي حركة ثرية للغاية لأن لها انتشاراً وتعدداً واخترقت الحدود خارج الدول العربية الى ما هو أبعد من ذلك.
* كيف ترى العلاقة القائمة بين الابداع العربي (الأدبي تحديداً) وبين الحركة النقدية في الوقت الراهن؟
أعتقد ان صورة الدرس الأدبي في الجامعات اليوم ليست أفضل مما كانت عليه في الماضي فالتركيز على الجزئيات والاهتمام بالكتب المقررة التي ألفها الاساتذة أمر يضعف المستوى العام الذي ينعكس بالضرورة على الجوانب الأدبية.وأتصور ان نقاد هذا الزمان معظمهم يكتبون لغيرهم من النقاد، بعد ان أصبح النقد عملية بالغة التعقيد والصعوبة وعلماً تتداخل فيه علوم الفلسفة والاجتماع واللغويات والصوتيات وضرباً من التنظير الفكري المركب نتيجة للحركة المعرفية الشاملة وبروز مدارس وتيارات واتجاهات جديدة وواسعة.
* بم تفسر حالة الانبهار الدائم من الثقافة العربية بكل ما يأتي به الغرب؟
لقد اتصل أدبنا العربي منذ العصر الأموي والعباسي بالآداب والثقافات الاخرى مثل الفارسية والهندية واليونانية ولكن هذا الاتصال كان يتم على بصيرة ولم يقف الأدب العربي منها قط موقف استخذاء أو دونية وانما كان يصحح ويعدل ويضيف ويحذف ويناقش ويحاجج ليُنتِج من ذلك كله نتاجاً جديداً تتمثل فيه شخصية الأمة.
وأراني أرجع الانبهار الدائم بالغرب الى نتيجة استخلصها وهي نتيجة تخلُّف العرب وتقدُّم الغرب ووفود الأفكار والثقافات من جميع النوافذ وضمور الهوية الحضارية الذاتية والتهوين من شأنها.
* بعد كل سنوات إبداعك الشعري كيف تنظر الى تجربتك بكل ما طرحته من قيم سامية في نفوس القراء؟
أتمنى أن تكون أشعاري بكل ما تمثله من انتماء حميم الى قلبي وعقلي ووعيي وذاكرتي وغيبوتي وصحوي، لبنة في جسد اللغة الشعرية وموجة في تيار ابداعها المتدفق.
* وأخيراً.. ماذا أفادت الاذاعة الشاعر فاروق شوشة؟
لاشك ان كلا من الشعر والاذاعة يرتبطان عندي ارتباطاً وثيقاً فالاذاعة افادتني شعرياً والشعر أفادني إذاعيا فكلاهما عندي كان يكمل الآخر.
|