لماذا يبكي الإنسان؟
ومتى يبكي الإنسان؟.
رّبما أنَّ قائلاً ينبري فيقول: يبكي الإنسان عندما يتألم...، إذن فالألم يبكيه...
وهي إجابة منطقية وفورية...
غير أن عفويّة السؤال، واعتيادية البكاء للإنسان...، وراءها ما وراءها من التحليل، والتعليل...، والشّرح...، والمعاني...، بل البكاء دلالة خفية، لما وراء البكاء...،
أما الإنسان فإنَّه يبكي...
وليس ثمة من واحد من البشر لم يعرف البكاء، حتى أولئك الأشداء، الغُلظاء، الأقوياء...
هم يبكون...
والبكاء ليس ظاهرة بشرية، في وجهها الطبيعي، إدرار قناة الدَّمع في العين، حتى لو استحثَّها كيانٌ خارجي عنها، وفي باطنها، ألمٌ ناتج عن وخز يصيب صاحبها...، وإنّما:
البكاء «قضية» إنسانية...، بل قضية «تعبيرية»، كما تصيب البشر، تصيب من الخلق، الحيوان...، وسواه...!!!
البكاء هو بوحٌ، ينساب من كافة المنافذ، والمسام...، ما تمكَّن من التَّنفس...، من موقع الحبس...
وله هيئة، كما له صوت، كما له شكل!...
البكاء ليس الحزن، ولا الأنين، ولا التَّأوه...، ولا ذلك الماء الشَّفيف المنحدر من العين، إلى ظاهر الوجه...
البكاء غير الدَّمع...
وإن كان الدَّمع هو أحد مظاهر البكاء!!...، كما هو الحزن، والأنين، والتأوه، والألم...،
ربما يبكي كلُّ شيء في الإنسان، أو الحيوان، أو سواهما، دون أن تخرج عن العين قطرة دمع واحدة...
الكبير يبكي... والصغير...
الفقير يبكي... والغني...
اليقظ يبكي... والنائم...
الفرح يبكي... والحزين...
... و... و... وليس البكاء دليل حزن...، كما أنَّه ليس دليل فرح،
فهو ربما يكون عن ظلم، أو عدل...، حق، أو باطل، شوق، أو ملل،
لهفة...، أو تمنُّع...، ضعف...، أو قوة...
فكما الحزن يبكي...، الفرح يفعل...
وكما الظلم يبكي...، العدل يفعل...
وكما الباطل يبكي...، الحق يفعل...
وكما الشوق يبكي...، الملل يفعل...
وكما التَّمنُّع يبكي...، اللَّهفة تفعل...
وكما الضَّعف يبكي...، القوة تفعل...
وكما...، وكما...، وكما...، يفعل، وتفعل، ويفعلون...، و...
الموت يُبكي...
والولادة تفعل...
الرُّعب يبكي...، والطمأنينة تفعل...
القلق يُبكي...، وكذلك السّكينة...
ولكن، ما هو البكاء؟... صوت، أم دمعٌ، أم آهةٌ؟!
ومتى يبكي الباكي؟
ولماذا يبكي الباكي؟
مَن سأل مثل هذا السؤال؟ ولم يحاول أن ينبري في الإجابة السريعة؟ حتى يكتشف إجابة متى، وكيف...، ثمَّ ما هو البكاء؟!...
إننّي كلَّما تفكّرْتُ في الثَّلاثة هذه...
تذكَّرتُ عينيَّ الحمار، الذي كان يجوب بنا مزارع الهدا...، ودموعه على خدّه... وشيء وراء نظرته..
إنَّه الوحيد الذي فتح لي بوابات هذه الأسئلة، ولم تُغْلَق حتّى هذه اللّحظة....
منذ ذلك...
تعلّمت قراءة ما وراء الإشارات...
والولوج من كافة البوّابات...
فذهبت وراء... ما وراء هذا السائل الشّفيف الذي ينحدر على جانبي خدّه...،
ووراء... ما وراء، أبعاد نظراته الكسيرة...، وصمته العميق...
إذ مذ ذلك...
عرفت البكاء...
ولم أقرنه أبداً بالدُّموع...!
|