تعليق: حنان بنت عبد العزيز بن سيف
كتاب ملء السلة من ثمر المجلة الجزء الأول كتاب يجمع بين دفتيه مقالات كتبت في مجلتين رائدتين الاولى: المجلة العربية والثانية: مجلة الفيصل وهذه المقالات تحكي قصصا في التراث، وترسم لنا صورا تراثية بديعة، هي تبرز التراث، وتظهر مخبوءاته، وتتفنن في رسم جواهره، واخراج كنوزه الثمينة، وقد نشرت في هاتين المجلتين لسنوات متتابعة، ثم جاء هذا الكتاب ليضمها وليجمعها وليسهل قراءتها، بتتابع والرجوع اليها بيسر، وقدم المؤلف لكتابه بمقدمة جامعة ألمح فيها الى هدفه من اخراج هذا الكتاب فقال: «خدمة لتراثنا الغالي، وابرازا لجواهره الثمينة واظهارا للآلئة المكنونة القيمة وتبيانا لكنوزه المخبأة النادرة كتبت هذه المقالات، وكل واحدة لها هدف مقصود وغرض معين وفائدة مرجوة ونفع مؤمل وغاية نبيلة يكمن وراءها نية حسنة وعزم صادق وجهد متواضع» ثم مقالات الكتاب متنوعة فهذه مقالة اجتماعية تحكي ما يحدث في المجتمع وما طرأ ويطرأ عليه من تغيير وتلك مقالة دينية واخرى مقالة لغوية، ومقالات نقدية وثقافية متعددة الاغراض، متوحدة الهدف وهو خدمة التراث وتخليده، وقد التزم المؤلف بالكتابة حول هذه الفنون المتعددة في موعد محدد، وخدم الادب والتاريخ بمقالاته تلك، وكان هدف ايضا الى امور عدة من توعية القارىء وتقريب التراث اليه في ابسط حلة، واجمل هيئة وبزه، وهنا يقول: «وقد بدأت كتابة هذه المقالات.. لانها تساعدني على نفسي فتجعلني التزم بالوفاء بالكتابة في الموعد المحدد وبالموضوع الذي اخترته لخدمة التراث، في محاولة نشر ما فيه من ذخائر قد لا يعرف عنها بعض الناس، اما لبعدها عن حقول تخصصهم او لصعوبة الوصول اليها في مظانها من الكتب المخطوطة او المطبوعة او للطباعة المنفرة التي طبعت بها او لصرف وقتهم لما هو اقرب للترفيه من الغوص على هذه الدرر في بحارها اللج، او في مناجمها المصمتة» والطريقة التي اعتمد عليها المؤلف في كتابة هذه المقالات جاءت عفوية غير مرتبطة بنسق معين أو ترتيب معين، ويقول المؤلف في الطريقة التي اخذ بها في كتابة مقالاته : «وقد جاء ما اختير من التراث لعرضه هنا منوعا وعفو الخاطر، وابن الساعة، ولم تحبس الأفكار في سلك خانق يتحدث عن امر ثم منه الى ما له به صلة، بل ترك العنان على الغارب فمن عرض لامر في اللغة الى عادة حسنة والأمل في هذا ان يبعد الملل ويجعل النشاط متجددا والرغبة لمتابعة القراءة قوية وثابتة» ولعل الجامع الوحيد بين هذه المقالات المتنوعة هو طريقة عرض المادة الادبية او العلمية حيث كان يقدم لهذه المقالات بمقدمة استفتاحية ثم يختم الموضوع بخاتمة من عنده، وعناوين المقالات مشوقة تدفع القارىء الى قراءة الموضوع ومتابعته ومن هذه العناوين «الحصاة لها حلق»، و«القدامى ومرض السكر» و«ارتفاع العقد» و«يأكل بعيره»، «سوق ابليس» و«عافية منتقدة»، و«مصائد الأقوال» و«الخاتم تائه» و«الوجأ في العنق» و«ما وراء الهدية» وغيرها من العنوان الجذابة، والمقالات مقسومة الى قسمين:
الأول: المقالات المنشورة في المجلة العربية.
الثاني: المقالات المنشورة في مجلة الفيصل.
وفي هذه المقالات وقفات جميلة منها ما جاء تحت عنوان المقالة الآتية مصائد الأقوال حيث قال: «بعض الأقوال مصائد تنتصب ليقع في فخها بعض الناس.. وهذه المصائد عالية الثمن، نادرة الوجود لا تأتي من عامة الناس، لا تعطى قياتها الا لمتميزين قادرين على نصبها باتقان وجود، وافضل ما تكون عندما يكون الحابل والمصاد في درجة واحدة من الذكاء والفطنة، فحينئد يضمن ان يطبق الفخ باتقان» وتحت العنوان التالي «الخاتم تائه» ورد كلام جميل قاله المؤلف ونصه: «للخاتم تاريخ ممتع وهو تاريخ طويل يمتد بامتداد الزمن، وتختلف النظرة اليه باختلاف الامم، كل امة له عندها اعتبار يختلف عنه في امة أخرى، وله شكل يميزه في هذه الأمة عن خاتم في امة اخرى»، وللمؤلف احكام تاريخية فاحصة تظهر هذه الملكة واضحة جلية في حديثه عن مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية فيقول: «كان مروان داهية من الدواهي الا انه جاء بعد ان تفككت عرى الدولة ونخر السوس في اجزائها وتمكن منها الداء ولم يعد بالامكان ايقافها على قدمها، ومع هذا فقد بذل جهده واعطى كل ما يستطيع ولكن الحمل اثقل من ان تحمله اكتافه».
وتحت عنوان مقالة «وابل صدق» يصف الاعرابي القح السليقة بقوله: «الاعرابي في صحرائه غلبت عليه صفة الصراحة واتصف بالصدق، وهذا آت من الشجاعة اذ انه لا يرى ان الشجاعة تقتصر على ميدان القتال ولا هي الضرب بالسيف، والطعن بالرمح وملاقاة الند ومهاجمة الوحش وانما التغلب على النفس وقول الحق ولو كان مرا وقول الصدق ولو على الانسان نفسه».
وللشعر وقفات جميلة ايضا فمن جيد الشعر الوارد في الكتاب تلك المقارنة التي عقدها صخر بن عمرو بين امه وزوجته فقال:
أرى أم صخرٍ ما تمل عيادتي
وملّت سليمى مضجعي ومكاني
اذا ما امرؤ سوّى بأم حليلة
فلا عاش الا في شقى وهوان
لعمري لقد ايقظتَ من كان نائما
واسمعتَ من كانت له اذنان
بصيرا بوجه الحزم لو يستطيعه
وقد حيل بين العير والنزوان
ومصادر الكتاب ومراجعه هي كتب التراث الاصلية ومنها المراح في المزاح، تحفة العروس، العقد الفريد، الكشكول، تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون، معجم الأدباء، اخبار الظرف والمتماجنين، بيع الابرار، الجليس الصالح الكافي والانيس الناصح الشافي، لطف التدبير.
وتظهر امور عدة من خلال القراءة في الكتاب منها القدرة الواعية الدقيقة على تحليل النصوص مثل تلك التعقيبات المفيدة الواردة تحت عنوان المقالة التالية «الحصاة لها حلق» حيث عقب على الفتوى الواردة في المقالة بتعقيبات ثلاثة جاء فيها:
الأول: الاشارة الى تنطع بعض الناس وتشديدهم على انفسهم فيما سهل الله عليهم من امور حياتهم.
الثاني: سهولة ختل الناس السذج وايقاعهم باسم الدين فيما ليس منه.
الثالث: ان هذا الجواب موفق لمثل هذا السؤال وهو جواب يلجأ اليه بعض نابهي العلماء خفيفي الروح ويجدون فيه الجواب المفصل تفصيلا متقنا لمثل هذا الاستفسار.
ومن مقالات الكتاب مقالات فيها عنصر الطرافة والتجديد وهي تمت الى اصول قديمة وجاءت هذه المقالات ثمرة للقراءة المستوعبة والاطلاع الدائم مثل تلك المقالة التي تحمل عنوانا شيقا وهو «القدامى ومرض السكر» والمؤلف كان عارفا بحضارات المسلمين وسبقهم الغرب في امور عدة وجاء هذا واضحا في مقالة الخدم من الكلاب ومقالة ألوان الطعام، ويقول في الاخيرة: «فاذا رأيت قائمة الطعام على مائدة رسمية فاعلم اننا مخترعوها ولاحظ اننا في ذلك الوقت نقدم الحلوى مسكا للختام»، ويظهر من الكتاب ثقافة المؤلف الواسعة والعميقة يقول في رده على من يصف العرب بامتهان المرأة، واحتقارها، ثم يبين وضع المرأة في الغرب: «ومن أبرز الأمور التي يتهموننا بها اننا نستعبد المرأة ونهينها، ولا نكن لها احتراما، ونسلبها حقوقها ونعتبرها من سقط المتاع،.. المرأة كانت ولا تزال تحتل مكانها المتميز، اعطاها اياه الرجل بحكم عادة متمكنة واعطاها اياه الاسلام مع ميزات اخرى» الى ان يقول: «هذا كله تم والغرب في سباته العميق والمرأة عنده في مجتمعاته لا تزيد كثيرا عن الدابة ان لم تكن الدابة تعامل معاملة خيرا منها ومن اراد الدليل فليقرأ رحلة ابن فضلان التي قام بها لشمال اوروبا في العصر العباسي المتأخر» وروح النقد المنصف، والرأي النقدي، تسري بين مقالات الكتاب وبين أسطر الفقرات، من ذلك قول المؤلف عن بعض القصص المفتعلة التي تروج في بعض العصور: «وقد أفسدت هذه القصص الحقائق التاريخية عن العصر الاموي والعباسي بالذات، فأصبح المؤرخ في هذين العصرين يخوض في بحر مليء بالقروش المفترسة وفي نهر مليء بالتماسيح فلا يلتقط جوهره لحليته ولا سمكة لطعامه الا بعد ان يتخلص من هذه الشوائب القاتلة».
وفي موضع آخر يتحدث عن الكذب الذي ملأ صفحات التاريخ فيقول: «والتاريخ اليوم يعاني من الكذب الذي ملأ صفحات الكتب وكذلك الأدب دخله من النحل والتلفيق والوضع ما اوجد كلفا واضحا في صفحة وجهه المضيئة» كما تظهر روح النقد واضحة جلية في قوله في التعليق على قصة ذكرها: «مداخل الضعف على هذه القصة كثيرة ولكن التفكير فيها، وتعدادها وتحليلها يضيع لذة القصة، ولهذا سوف نعتبرها او جزءا منها خيالا، درج عليه اصحاب القصص في تلك الايام ويكفي ان نلاحظ ان الراوي لم يذكر اسم التاجر وهو اول مداخل القصة».
ولمؤلف الكتاب وقفات عند الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في الحديث عن شخصيته الادارية الرائدة: «عمر خير من استفاد أثناء حكمه من استشارة اهل الرأي وأهل الخبرة، أثبت انه اداري من الطراز الاول، في ادائه عمله وفي اختيار الرجال وفي قيادة عجلة الحكم أثناء التبدل الاجتماعي في البيئة الجديدة التي بدأت تطغى فيها عناصر اجنبية على الجنس العربي، وبدأت تفد عادات وتقاليد غريبة عليه، فكان يرقب الامور وكأنه ربان سفينة، تمر بشعاب من المرجان المخيفة» وللمؤلف كلمة حول العناية بالتراث يقول فيها: «والجاحظ.. يؤكد غنى تراثنا واحتوائه على كثير مما نجهله او نعلم بعضه ونظن انه من مبتكرات الغرب ومبتدعاته ولو اعطينا تراثنا حقه من العناية تحقيقا ونشرا وقراءة وتدبرا لامتلأنا ثقة تبوؤنا مكانا غير المكان الذي نحن فيه، وأكرم منه واشرف على الاقل عند انفسنا».
ولغة الكتاب لغة ادبية رفيعة المستوى وهي زاخرة بالمعلومات مليئة بالمعارف تنم عن ثقافة عالية ناضجة، وتذكرك هذه اللغة بلغة ادباء العصر العباسي ذوي السليقة العربية الخالصة، وهذه اللغة على درجة رفيعة صرفا ونحوا وبلاغة وادبا تتخللها تشبيهات بليغة وسجعات خفيفة ومن جميل تشبيهات الكتاب قول المؤلف: «لقد كان نصيب اسود اللون، ولكن كان له شعر اكثر بياضا من الاقحوان، وعقلا ارزن من جبل احد ونية اصفى من ماء المطر فيما تطرق له».
واخيرا فقد امتعنا المؤلف امتعه الله، وآنسنا آنسه الله، وعل هذا الجزء تتبعه اجزاء كثيرة تؤيد قوله وقيله، وقليله وكثيره وواضحة ومبهمة، وشعره ونثره، وفيضه وغيظه حتى تكتمل اجزاء كثيرة تجمع بعد مشيئة الله في مجلدات ضخمة وتقتفي اثر كتب المقالات الرائدة البارزة ككتاب فيض الخاطر لمؤلفه الاديب احمد امين، او وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي وغيرها من كتب المقالات التي جمعتها وخلدتها، والكتاب ترافقه المتعة في خطواته، فهو ممتع في عناوينه وهو ممتع في حديثه وهو ممتع في طريقة عرضه للمعلومات وتحوير الحقائق وبلورتها واظهارها في صورة مجلوة حسنة بديعة، حفظ الله المؤلف، وحفظ قلمه سيّالا معطاء في سبيل خدمة التراث الادبي واخراجه ثرا متدفقا وتقديمه سهلا ميسرا عذبا وسلسا للناس.