* القاهرة مكتب الجزيرة عثمان أنور:
ما بين الأندلس وغرناطة وصقلية وبين العالم العربي عقد العديد من المقارنات والصلات الهامة، ورصد التفاعل الثقافي والحضاري واسهام العرب والمسلمين هناك، إنه الدكتور الطاهر أحمد مكي الذي يعد من أبرز النقاد الذين أثروا المكتبة العربية بالعديد من الاصدارات الهامة سواء في مجال النقد الأدبي والدراسات الأندلسية والإسلامية أو الترجمة.
«الجزيرة» التقته في هذا الحوار الذي تحدث فيه عن بداية اهتمامه بالحركة النقدية واصداراته والعلاقات الثقافية في عالم اليوم وكذلك عن الترجمة وما آلت إليه في ظل التقنية التكنولوجية الحديثة.
بداية التحول
* ربما لا يعرف الكثيرون أنك بدأت حياتك الأدبية بكتابة القصة القصيرة ولكن سرعان ما انصرفت إلى النقد.. كيف تم هذا التحول؟
لا يوجد لدي سبب دقيق، ربما الانشغال المبكر بحركة النقد ربما دراستي للأدب المقارن، ربما سفري لاسبانيا مبكراً وربما كل هذه الأسباب مجتمعة لا أدري، ولكن الحقيقة ان ممارسة النقد الأدبي طغت عندي على الابداع إنتاجاً وهو ما يؤلمني حقا ولكن ذلك كله إذا رجع إلى الانشغال بحركة النقد والقراءة فيه فانني لا أجد مفراً من إضافة سبب آخر وهو أن المسؤولية تكون ضخمة أمام الناقد حين يبدع لأنه ينقد نفسه بحزم وقوة تفوق نقده للآخرين.
* تميل للدراسات الإسلامية ولكن أين أنت من مناهج النقد الأدبي الحديث؟
يجب أن تعي أولاً أن النقد الأدبي الحديث استوعب جهود السابقين في لغات شتى وأماكن متعددة وأزمات متلاحقة وليس هنا مجال الخوض في تفصيل هذا الثراء الضخم في النظرية النقدية بمعنى متابعة الاتجاهات والتيارات والمدارس والمناهج والنزاعات، وبعيداً عن المبالغة لبعض الاتجاهات النقدية المعاصرة وعلى بعض التطبيقات التعسفية لبعضها، وعلى بعض النقاد المتحذلقين والمتشدقين أولئك الذين ينقلون نظريات من خارج لغاتهم دون فهم أو استيعاب أود القول بأن على الناقد أن يفسح صدره للنظريات النقدية جميعها لأن الذي يحدد نوع النقد هو النص نفسه وليس نية الناقد أو قصده، وما يصلح لنص من نظريات معينة قد لا يصلح لنص آخر لذا كنت وما زلت مؤمنا بألا أقع أسير اتجاه معين لكن في نفس الوقت أؤمن بأن النقد ليس موضة تتغير وتستبدل كالملابس وتسريحات الشعر وقد ضمنت وجهة نظري هذه في كتابي الجديد قيد الطبع بعنوان استشفاف الشعر الذي أتناول فيه عدة قصائد لمجموعة متنوعة من الشعراء بمنظور ورؤى نقدية متفاوتة.
العلاقات الثقافية
* لك العديد من الدراسات الهامة عن الأندلس وبوضعك أيضا من أبرز المهتمين بالأدب المقارن كيف ترى العلاقات الثقافية في عالم اليوم؟
العلاقات الثقافية من أهم أصوات العصر حيث تداخلت صلات الشعوب وتساقطت الحدود وتعددت وسائل التأثر والتأثير فبعد الانترنت والأقمار الصناعية أو حتى التليفزيون والصحافة العادية تستطيع أن تكون على صلة بمختلف أركان المعمورة، وفي ظل هذه الخيوط المتشابكة يكون لزاماً على المثقف ان يكرس للعلاقات الثقافية جانباً من اهتمامه لكي يستطيع ان يعيش في زمانه.
* وكيف ترى جذور هذه العلاقات من واقع اهتمامك الأكاديمي ومعايشتك لفترة الأجواء في الاندلس؟
العلاقات ممتدة بالطبع وقد استقرت الرؤية بشكل أساسي على بعدين الأندلس وصقلية من ناحية والعصر الحديث من ناحية أخرى، والاندلس وحدها كفيلة بأن تنال اهتمام الكثيرين فهي عالم متداخل من الشعوب والعلاقات والمؤثرات التي تنتقل من عصر إلى عصر ومن جنس لآخر منذ الأصول الضاربة في القدم مروراً بالثقافات اليونانية والرومانية والشرقية المتنوعة العربية والفينقية على سبيل المثال ووفود العناصر الشمالية الوندال والاسبان الأصليون أنفسهم كانوا من تركيبات ولغات شتى وقد وفدت إلى البلاد في ظل المسلمين وفود من بلاد الانجليز ومن أوروبا، فرنسا على وجه الخصوص كما ان المسلمين البربر بل ان الاندلس شهدت إمارات صقلية وجاء المسلمين المشارقة بكل ثقافات وعلوم العالم القديم.
* وهل تعتبر صقلية الإسلامية جزءا من هذا التراث المتداخل؟
كثيراً ما تعتبر صقلية جزءاً تابعاً للأندلس خاصة من الناحية الأدبية التي تخضع للتقسيمات الأكاديمية، وهناك بالفعل بعض الجوانب التي يمكن أن تصل صقلية بالاندلس لكن الفروق ضخمة بينهما، لقد دخل المسلمون الأندلس في أواخر القرن الأول للهجرة ورحلوا عن غرناطة سنة 898ه أي أكثر من ثمانية قرون متوالية، كما ان العناصر العربية اتصلت بشكل أساسي بالعناصر الأصلية الصقلية ثم بالجنس النورماني الجيرماني والذي تمكن من الاستحواذ على الجزيرة على أثر الحرب الأهلية التي اندلعت بين المسلمين في صقلية والاستعانة بالنورمان لكي ينصروا حزباً على الحزب الآخر ثم نجحوا في أن يوجهوا الأمور لمصلحتهم هم بعد ذلك، وبدون شك كان العطاء الثقافي في صقلية أقل تجدداً وخصوبة من الاندلس التي كانت تمثل الركيزة الثانية الكبرى في تاريخ الإسلام بعد النهضة الفكرية الضخمة التي شهدتها بغداد في القرن الثاني الهجري. ولكن هذه العلاقات خبت وانحسرت شيئاً فشيئاً وانعكس هذا على ما نعيشه هنا في العصر الحديث ولم يبق من العلاقات غير جهود فردية أذكر منها رفاعة الطهطاوي في البداية فكان تجسيما للعلاقات الثقافية بكل أبعادها النظرية والعلمية توالت بعد ذلك الجهود الفردية حتى وصلنا اليوم الى عصر التداخل والتأثيرات المتبادلة عبر الانترنت وغيره ولكن يبقى القوي هو المؤثر والمتلقي هو الضعيف.
* وبصفتك أحد المهتمين بالترجمة بجانب اهتمامك النقدي والأدبي كيف ترى حال الترجمة لدينا في ظل المتغيرات التكنولوجية والعلمية المتقدمة؟
رغم وجود بعض المواكبات مع التقدم العلمي التكنولوجي إلا أنه لا يزال يوجد عبء كبير على المترجم لدينا الذي يقع عليه الدور الأكبر في عملية الترجمة وذلك في ظل وجود مشروعات للترجمة تتولاها مؤسسات عبر القارات هذه المؤسسات تقوم بالترجمة لأكثر من لغة وهي قادرة على توزيع ترجماتها بشكل جيد جداً في أرجاء العالم وأعتقد انه يجب التنسيق مع هذه المؤسسات لأنه سيوفر جهود ضائعة بظهور ترجمات عدة لأكثر من عمل.
* وهل وصلت أعمالنا الأدبية بالترجمة إلى العالمية كما يرى البعض؟
أعمال نجيب محفوظ أصبحت عالمية وأعتقد أنه منذ خمس سنوات حدث نوع من الرواج لأعمالنا المترجمة وقد حان الوقت ان نوجد لمشروعات الترجمة لدينا منافذ عديدة للبيع والتوزيع في الخارج فهذا أمر مهم الآن.
|