منذ زمن، ربما سنة تقريبا، كتبت عن معنى المواطنة والوطنية. كنت أقول إن الوطنية تتعدى الاعتزاز بلبس الثوب والغترة، وتشجيع المنتخب الكروي، وضرب أي أجنبي غير أوروبي بالطبع يتجرأ ويقول إن عجاج بلدكم في الصيف مليء بالتراب، أو إن الحرّ عندكم لا يطاق. وأنها تتجاوز التطوع في صفوف الجيش حينما يتعرض الوطن للخطر. ذلك أن الوطنية ممارسة يومية يكون فيها قلب المواطن على الوطن والمواطنين، يكون فيها الواحد من أجل الكل، والكل من أجل الواحد. ولتبيان قصدي قلت في تلك المقالة، عن المواطن:
«هل يؤدي عمله بأمانة أم أنه يؤدي من العمل ساعة في اليوم «على قد فلوسهم» (أي الحكومة) وكأنها حكومة احتلال!؟ هل يبيع بضاعة صالحة أم مغشوشة؟ هل يحترم حقوق المواطنين الآخرين أم أنه يضرب بها عرض الحائط ليصل الى مصلحته الخاصة؟ هل يخدم المواطنين الذين وُضعت وظيفته لخدمتهم ويتقاضى مرتبه من أجل ذلك، أم أنه «يلطعهم» ، ويعطل أعمالهم؟ معتبرا أنها أي الوظيفة فرض عين على الحكومة، وأنها قليل دائم خير من كثير من منقطع، ليتفرغ للبحث عن مصادر دخل أخرى! هل يستغل مركزه لنهب المال العام أو لتحقيق مصالح خاصة؟ هل يهتم بنظافة شوارع مدينته أم يرمي بالزبالة على قارعة الطريق؟ هل يحرص على الوئام الاجتماعي أم تسكنه دوافع الفرقة والسيطرة والتشرذم بدواع مختلفة؟ هل يهتم بالمحافظة على البيئة والمياه والطاقة، أم يظن أنها خلقت له لوحده بينما الآخرون متطفلون وجدوا لينغصوا عليه تنعمه بها؟ هل ينظر الى الوقت المهدور على أنه مال مهدر؟ هل يلتزم بالنظام والدور (الطابور) أم يقول أنا أولاً؟
هل.. وهل.. وهل..؟ هي أسئلة كثيرة تبين الى حد كبير ما هو مفهوم الوطنية، وكيف تكون المواطنة الحقة، وأن الأمانة والصدق والأدب والاخلاص والجدية والانتاج ليست تفضلاً ولا كرماً، وإنما صفات وطنية. وان انتهاكها ليس مخالفة أو جنحة، وإنما جريمة وطنية تكاد تكون نوعا من الخيانة للوطن».
بيد أني عجزت عن توصيف أو تقديم تعريف أو مبدأ يجمع ما كنت أقصده ويعبر عن الخلل في إحساسنا بالوطنية، حتى قرأت في كتاب للصادق النيهوم بعنوان «تحية وبعد» مقالة عنوانها «البحث عن أهداف» كتبها في 30 مارس 1968. وبغض النظر عن النطاق الليبي الذي يتوجه اليه الصادق النيهوم في كتاباته إلا أنها تنطبق على كل الدول النامية وشعوبها.يقرر الصادق أن الخلل هو بالدرجة الأولى تدنٍ في التطور الخلقي (!) ويدع القارىء مستفزاً ليبين ما يعنيه بالأخلاق فيقول:«القاعدة العامة أننا شعب أمي، وأن الأمية ليست هي العجز عن القراءة فحسب بل العجز عن ايجاد الأهداف أيضا. وان اخلاق الفرد تخضع بثبات لنوع الأهداف التي يريد تحقيقها» ويشرع في طرح أسئلة خمسة أسئلة «البقال الذي يملك دكانه عند الناصية، ولا يعرف شيئا أكثر أهمية من أن يبيع سلة الخضار قبل أن تفسد.. ماذا يريد أن يحقق؟» وسأتجاوز عن بقية الأسئلة تحاشياً للإطالة لأنها ستتضح عندما يقول:«والاجابة خمسة أسئلة أخرى:لو قرر البقال ألا يكتفي ببيع سلة الخضار واضعا يده تحت خده، بل يزيد من نطاق عالمه خطوتين كل يوم. لو قرر أن يتعلم القراءة، أن يقضي مع أطفاله وقتا أطول، أن يفعل شيئا جديدا لمواجهة دنياه المملة، ماذا يحدث؟
لو قرر الفيلسوف أن يترك النظريات جانبا ويلمس الأشياء بأصابعه، لو أغمض عينيه ذات مرة واعترف لنفسه بأنه لا يستطيع أن يعرف كل شيء، ماذا يحدث؟
لو قرر الصحفي أن يتعلم منحة التواضع في تحديد طرق المجموعات، لو أصر على مراجعة معارفه المتجمدة وقياس عالمه بالمسطرة بدلا من الأوهام، ماذا يحدث؟
لو ترك العامل سفن الفضاء السوفييتية وشأنها وقرر أن يكتفي بأداء واجبه تجاه من يحيط به، ماذا يحدث؟
لو كف المعلم عن معاملة تلاميذه مثل شرائط التسجيل وقرر ان يؤدي حيالهم واجبه الحقيقي، ماذا يحدث؟
يتغير وجه البلد! تصبح بلداً آخر وشعبا آخر.
أنا لا أريد مزيداً من الأسئلة، ولكن أتمنى أن أشير بوضوح الى ان ذلك التغيير يتطلب مبدأ خلقيا عاما اسمه الإحساس بأبعاد المسؤولية».
نعم «الاحساس بأبعاد المسؤولية» هو المبدأ الجامع المانع الذي كنت أبحث عنه ولم تسعفني قدراتي المعرفية المتواضعة على صوغه، أو العثور عليه. ومعناه يتجاوز ظاهر القول الى أعماق مديدة، وأبعاد عديدة. معنى يحتفظ بالأنا وحقوقها، بيْد أنه لا يقصره عليها. معنى يجعل من الأنا والآخرين على قدم المساواة شرطاً للحياة الكريمة والسعادة.
مثلاً، إذا كان احساس شخص بمسؤوليته تجاه أسرته يدفعه لأن يعمل دوامين في اليوم في عملين مختلفين، وأن يلهث وراء بعض العمولات التجارية، ويجري وراء مؤشر الأسهم، ليوفر لنفسه ولأسرته حياة كريمة، هل يعني ذلك ان لديه احساسا بأبعاد المسؤولية؟ في زعمي الجواب بالنفي! وذلك لعدة أسباب منها أنه ومهما كانت قدراته لن يؤدي واجبه الوظيفي بأمانة تجاه العملين كليهما، بل ان أحدهما سيكون على حساب الآخر. ولن يتوفر لديه الوقت للجلوس مع أطفاله وزوجته ومتابعة شئونهم الصغرى. وسيكون مرهقا متوتراً مما يجعله عصبيا ونزقاً مع أهله ومجتمعه، وسيتصدر هاجس توفير الماديات كل جوانب حياته الأخرى.
يستطرد الصادق النيهوم فيقول:«بقي بعد ذلك أمر العلاج، وأتمنى أن أضع هذه المهمة أيضا على عنق الدولة أو البلدية الموقرة أو وزارة الأشغال، ولكن الواقع يفرض نفسه بطريقة أخرى فالشعوب لا يتم إصلاحها في الورشة المجاورة، ولا يتم إصلاحها بقصائد الهجاء في الجريدة الرسمية».
وهنا مربط الفرس، فالمثقفون الجهلة العاجزون مثلهم مثل الأميين سواء بسواء يضعون كل شيء على «ماما» الحكومة، وينتظرون من «ماما» أن تفعل لهم كل شيء، ويرون أن مآزقنا ومآسينا تكمن في أن «ماما» لم تطرق أبواب بيوتهم لتستمع اليهم، وأن الأجدر بها أن توفر لكل منهم جناحاً فخماً وطاقماً من السكرتارية والخدم يلبون طلباتهم فيتفرغون للقراءة والتنظير من أبراجهم العاجية. ويتمنون أن تفتح لهم الحكومة الأبواب ليقوموا بدورهم المجيد في الخطابة و«الحنجوري المتواسق مع الشواشي العليا، على الشفق المنداح على شفا الهمبورية» على حد تعبير محمود السعدني وكأننا شعب من العجزة والتنابلة غير قادرين على الحركة. بينما في الواقع نحن عاجزون عن الرؤية الواضحة الشاملة ولذا نقول: اذهبوا أنتم وحكومتكم فقاتلوا، إنا هاهنا قاعدون. المشكلة في رأيي أن علينا قدراً كبيراً من المسؤولية بيد أننا نعجز عن رؤيته لأننا، ببساطة، لا نريد أن نضطلع به. ولا نملك الاحساس بأبعاده.
ومن الإنصاف أن أكمل لكم ما يقوله النيهوم:«الاصلاح على أساس علمي لا بد أن يبدأ بالدراسة. بتحديد الأهداف المطروحة الآن أمام شعب ليبيا، وتقدير أبعادها بطريقة موضوعية مقسمة بالحياد، فالواقع ان أخلاق مواطنينا ترتبط ارتباطا كاملا بنوع تلك الأهداف، وقد تقرر حتى الآن ان ليبيا تريد ان تحقق مستوى حياة أفضل، وفسر المواطنون ذلك بأنه مستوى حياة مادي أفضل، وبنوا فوقه معظم مقوماتهم الأخلاقية».
أليس هذا ما يحدث عندنا؟ أليس هذا ما حدث إبّان الطفرة؟ وذهبت الطفرة وأتت الفكرة! كيف حدثت؟ ومتى تعود؟ وياليت وكيف ومتى؟ وبقي هاجس اللهاث وراء مستوى الحياة المادي الأفضل، وهاجس مسعور للحفاظ على نمط حياة الطفرة، وممارسة النزعة الاستهلاكية المقيتة.
ويمضي النيهوم مكملاً: «فهل هذا هدفنا؟ إنني أريد أن أناقش السؤال بل أريد ان أطرحه على هذا الوضع: هل هدفنا أن نحقق مستوى حياة مادي أفضل بغض النظر عن بقية المستويات؟
نحن شعب نصف جائع، أجل، أنا أعرف هذه الحقيقة، ولكني اعتقدت ان الخبز وحده لا يكفي.
فإذا كان الأمر كذلك، فأعطوا ليبيا أهدافا أخرى، أعطوها فرصة لكي تجد نفسها قبل أن تتوه في أكوام الخبز».
وقبل أن استطرد عليَّ أن أبرىء ساحتي قبل أن أختم حديثي إذ نحن مجتمع نامٍ، كما نتميز عن غيرنا بنزعة البارانوايا وأعلن تماما انه لا علاقة لي بالحكومة من قريب أو بعيد، وأني لا استلم منها مرتبا سريّاً. وكل ما يربطني بالحكومة أنها موجودة، وان عليَّ طاعتها، وان لي عليها حقوقا كمواطن. وليس هناك من سبب يدفعني كي أتصنع الشجاعة أو أبحث عن البطولة فأناطح الحكومة. وليس هناك من سبب طمع أو خوف يجبرني ان اتطوع بأن أكون بوقاً للحكومة، لسبيين بسيطين: أن لديها من الأبواق ما يكفي ويفيض، ولأني لست بحاجة لذلك. لذا أرجوك عزيزي القارىء إن لم تقتنع بهذه الأسطر ألاّ تضيع وقتك بقراءة بقية المقالة.
ليست القضية في انتقاد الحكومة أو مدحها. كما أني لا أطلب أن يتفرغ الكاتب لوصف لون السماء ساعة الشفق، أو أن يتغنى بالأطيار والأزهار، أو أن يتحدث عن الأشجار. كذلك لا أطلب منه أن يتحول الى واعظ فتمتلىء كتاباته بالنصائح والمواعظ. كل ما عليه أن يزيد من احساسه بأبعاد المسئولية، وأن يعمل على نشر الاحساس بأبعاد المسئولية ليس فيما يكتبه فحسب ولكن في سلوكه العام، وممارساته اليومية، وحياته مع أطفاله وأسرته. وهذا واجب «المثقفين» كتبوا أو لم يكتبوا، وهو واجب الكتاب بالدرجة الأولى. فإن لم يريدوا أن يفعلوا فليتنحوا جانبا وليتركوا الصفحات بيضاً وليتفرغوا لدكاكينهم، وليقصروا حديثهم في المجالس عليها ويريحوا رؤوسنا.
منذ سنين حدثني أحد الكتّاب الكبار حاليا بأنه سأل أحد أصدقائه، ذا اطلاع كبير وأفكار عديدة و«ثقافة» عالية: «لماذا لا تكتب؟» فأجابه:«أكتب ولكن بشرطين ألا تتعرض كتاباتي لحذف أو تغيير، وألاّ أُسأل عما أكتب»! فرد عليه:«إذا وصلنا هذه المرحلة فلسنا بحاجة الى كتاباتك». وهذا «المثقف» المسئول نموذج واضح لانخفاض الاحساس بأبعاد المسئولية إذ يظن ان مسؤوليته محددة في كتابة المواضيع التي تتجاوز الخطوط الحمراء.
دعوني أوضح لكم ما أقصده بالاحساس بأبعاد المسئولية في زعمي واعتقادي أن أساليب الناس في السواقة لا تعكس درجة النظام والانضباط فحسب ولكنها تعكس صورة لحال المجتمع. فرجل المرور الذي يقف في حاجز للتدقيق على الرخص يرى ان مسئوليته تقتصر على الرخص فلا يأبه بالمخالفات الأخرى التي توقع أمام ناظريه. وذلك التاجر يرى ان مسئوليته تقتصر على الوفاء بشروط البلدية بتوفير مواقف للسيارات أمام مركزه التجاري فلا يأبه بمواصفات المواقف ومدى عملية المداخل، المخارج وسلامتها، ولا يعنيه ان أوقف الزبائن سياراتهم بالطول أو العرض أو على الرصيف. وذلك المواطن الذي يرى ان مسئوليته تقتصر على أخذ زوجته أو أطفاله الى المستشفى فلا يهتم بكيفية ايقاف سيارته هناك. وذلك السائق «المستعجل» يرى ان مسئووليتة تتحدد في وصوله الى مكان عمله قبل رفع دفتر التوقيع فلا تعنيه سلامته أو سلامة الآخرين أو أنظمة المرور. لو أحس كل هؤلاء بأبعاد مسئولياتهم، ماذا يحدث؟
بيد أني لا أعفي الحكومة من المسئولية، إذ عليها ان توفر أو أن تعمل على توفير الشروط التي تتيح لنا أو تفرض علينا ألاّ ننغمس في رؤيتنا الضيقة. ماذا سيحدث، مثلاً، لو اتبعت الحكومة مبدأ عمل الفترة الواحدة في القطاع الخاص؟
سيجد المرء نفسه مجبراً على عدم الجمع بين وظيفتين. سيغضب المواطن لأن نافذة الدخل الاضافي قانونيا كان أم غير قانوني قد أوصدت دونه. ولكنه سيجد أن لديه وقتا أكبر لتأدية دوره الأسري والاجتماعي. ولا يستفيد المجتمع من هذا فحسب، ولكن ستتوفر أيضا فرص عمل كثيرة لجموع العاطلين.
على الحكومة ان تتوقف عن كونها ماما وان تترك أطفالها يكبرون وينمون.على الحكومة أيضا كجهاز تنفيذي وكشخصية اعتبارية مثلما هو مطلوب من الشخصيات الحقيقية أن تتحلى بالاحساس بأبعاد المسئولية. بيد أني كمواطن لن انتظر حتى تقوم الحكومة بدورها، لأن الاحساس بأبعاد المسئولية سيفيد المواطن قبل أي شخص آخر!.
فاكس: 4782781 |